A high-resolution hero image illustrating “Operation Sindoor.” Show a night-time missile strike arcing over the Himalayas, with glowing missile trails crossing the Line of Control toward a dimly lit city (Muzaffarabad). The sky should be tense and dramatic, with satellite overlays and radar grids subtly integrated. In the foreground, show a digital map interface with blinking coordinates, and in the background, faint silhouettes of Su-30 fighter jets in the clouds. Convey themes of technological precision, cross-border retaliation, and geopolitical brinkmanship.

المقدمة: صاروخ يمزق الصمت عند منتصف الليل

في ساعات الفجر الأولى من يوم 7 أيار/مايو 2025، دوّت انفجارات هائلة في أجواء مواظفَر آباد، حطّمت صمت الهيمالايا العميق. وخلال دقائق، غرقت المدينة في ظلام دامس بعد انقطاع شامل للكهرباء، في حين دبّ الهلع بين السكان. وفي الجهة الأخرى من خط السيطرة، نشر الحساب الرسمي للجيش الهندي على منصة “إكس” (تويتر سابقاً) تغريدة حاسمة: “العدالة تحققت. النصر للهند.”

الهند أطلقت عملية “سِندور”، ضربة صاروخية منسّقة استهدفت ما وصفته ببنية تحتية إرهابية داخل الأراضي الباكستانية، بما في ذلك كشمير الخاضعة لسيطرة باكستان. وجاء هذا الهجوم ردًا على مجزرة بَهَلْغام التي وقعت قبل أسبوعين، وراح ضحيتها 26 سائحًا في كشمير الخاضعة للإدارة الهندية. وللمرة الأولى في تاريخها، لجأت الهند إلى استخدام الصواريخ كأداة للثأر عبر خط السيطرة. لم تكن هذه مجرّد خطوة عسكرية جريئة، بل كانت إشارة عقائدية غيّرت قواعد الاشتباك، ودفعت بجنوب آسيا إلى حافة الاشتعال.

أثارت عملية “سِندور” على الفور أسئلة حادة في الأوساط الاستراتيجية والسياسية: هل هذا أول استخدام متعمّد للهند للصواريخ عبر خط السيطرة؟ كيف تقارن هذه العملية بنقاط التوتر السابقة مثل بالاكوت عام 2019، أو كارجيل عام 1999، أو حتى حادثة إطلاق صاروخ “براموس” العرضي عام 2022؟

الأهم من ذلك، ماذا تقول هذه العملية عن التحوّل في العقيدة العسكرية الهندية – من مفهوم “الانطلاق البارد” إلى قدرات هجومية عن بُعد – وعن استقرار منطقة تُظلّلها الاحتمالات النووية؟ وبينما توعدت باكستان بـ”رد ملائم”، عبّر المراقبون عن قلقهم من دخول شبه القارة في عصر جديد من التصعيد المحكوم بالخوارزميات، حيث تُنفّذ كل دولة سلسلة من الخطوات التصعيدية المعدة سلفاً، بما قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على مجريات الأحداث.

في هذا التحليل المعمّق، نقوم بتشريح استراتيجي لعملية “سِندور” – التي يمكن وصفها مجازاً بأنها “أول حرب صواريخ مصغّرة في جنوب آسيا” – عبر دراسة أبعادها العسكرية والنفسية، واستشراف ثلاث سيناريوهات تصعيدية محتملة. يعتمد هذا التشريح على مزيج من الواقعية الاستراتيجية والوضوح الخطابي، لاستكشاف كيف أن ضربة انتقامية واحدة قد تعيد صياغة قواعد الاشتباك بين الهند وباكستان.

اختراق جديد: أول ضربات صاروخية للهند عبر خط السيطرة

حين أمطرت الصواريخ الهندية مناطق بهاولْبور، كوتلي، ومواظفَر آباد، كانت تلك لحظة غير مسبوقة في تاريخ الصراع الهندي-الباكستاني. لم يسبق للهند أن نفذت ضربات صاروخية متعمّدة عبر خط السيطرة ضد أهداف باكستانية. في المواجهات السابقة، كان الاعتماد على نيران المشاة والمدفعية والطيران الحربي – لكن لم تُستخدم صواريخ باليستية أو مجنّحة تُطلق من مسافات بعيدة. وللتأكيد على حجم المستجد: حتى خلال الحروب والأزمات الشاملة، مارس الطرفان ضبط النفس في استخدام الصواريخ ضد أراضي بعضهما البعض. أما عملية “سِندور”، فقد حطّمت هذا السقف المحظور.

لنفهم الخلفية التاريخية: في حرب كارجيل عام 1999، اعتمدت الهند على هجمات مشاة على ارتفاعات عالية وقصف مدفعي مكثف لطرد المتسللين الباكستانيين من أراضيها على جانب خط السيطرة. بقيت ترسانات الصواريخ جاهزة، لكن لم يُطلق أي صاروخ في المعركة. وفي الحروب المحدودة السابقة (1947–48، 1965، 1971)، لم تكن الصواريخ متوفرة أو جاهزة تقنياً، وبالتالي لم تُستخدم. حتى الاشتباكات الحدودية المتكررة في كشمير – تبادل إطلاق نار وقذائف هاون – بقيت تحت سقف استخدام الصواريخ.

العمليات العقابية الأكثر حداثة للهند التزمت هي الأخرى بضوابط مماثلة. ففي عام 2016، وبعد هجوم مسلح على قاعدة في أوري، نفّذت الهند ضربات “جراحية” باستخدام قوات خاصة عبر خط السيطرة، دون استخدام أسلحة ثقيلة. وفي عام 2019، وبعد تفجير انتحاري في بَلواما، نفذ سلاح الجو الهندي غارة جوية على معسكر تابع لجماعة “جيش محمد” في بالاكوت مستخدمًا قنابل موجهة بدقة من طائرات ميراج 2000 – مع الإشارة إلى أن الهدف كان خارج كشمير، في إقليم خيبر بختونخوا الباكستاني، دون استخدام صواريخ. تلك الغارة الجوية كانت بحد ذاتها تاريخية كأول قصف جوي داخل أراضي باكستان منذ 1971. أما “سِندور”، فقد تجاوزت ذلك باستخدام صواريخ تُطلق من داخل الأراضي الهندية لضرب أهداف متعددة داخل باكستان.

الحادثة الوحيدة التي تقارب هذه الضربة كانت إطلاق صاروخ “براموس” عن طريق الخطأ في آذار/مارس 2022. يومها، أُطلق صاروخ كروز من طراز براموس خلال صيانة روتينية، وسقط داخل الأراضي الباكستانية (في مِيانْ تشانّو، إقليم البنجاب) بالخطأ. لحسن الحظ، لم يُسفر الحادث عن إصابات، وردّت باكستان حينها بدبلوماسية حذرة. كان ذلك بمثابة إنذار مبكر حول مخاطر إدخال الصواريخ في معادلة التوتر الهندو-باكستانية. لكن تلك كانت حادثة عرضية – أما “سِندور”، فهي ضربة مقصودة، ما يجعلها أكثر استفزازًا وخطورة من الناحية الاستراتيجية.

بعبور هذا الخط الأحمر، دشّنت الهند ما يسميه البعض “أول مناوشة صاروخية في جنوب آسيا”. الأثر النفسي كان مدوياً. الرادارات الباكستانية رصدت المقذوفات في قلب الليل، ما أدى إلى إطلاق صفارات الإنذار وتوجيه المقاتلات للإقلاع. في لحظة، بدا شبح حرب صاروخية في عام 2025 بين قوتين نوويتين أمرًا حقيقيًا. كلا البلدين – ومعهما العالم – باتوا يواجهون واقعًا جديدًا: إدخال الصواريخ كأداة ضمن سلّم التصعيد النشط.

فهل كانت هذه ضربة عقابية استثنائية لمرة واحدة؟ أم بداية لمعادلة جديدة في الأزمات القادمة؟

لفهم الخطورة، يجب إدراك طبيعة المخاطر الكامنة في تبادل الضربات الصاروخية في بيئة نووية. الصواريخ تضغط زمن الاستجابة إلى دقائق معدودة، وتُربك التمييز بين الهجوم التقليدي والنووي – إذ أن أنظمة الإطلاق قد تكون نفسها. باستخدام صواريخ تقليدية في ضربات محدودة، تحاول الهند تقديم استعراض قوة محسوب. لكن خطر سوء الفهم أو إساءة التقدير من الطرف المقابل يرتفع بشكل كبير. القيادة الباكستانية اضطرت لاتخاذ قرارات فورية تفترض أن الهجمات كانت محدودة وبالذخيرة التقليدية، وليست بداية لضربة أوسع. لحسن الحظ، غلب التريث الباكستاني في هذه الحالة – حيث أكدت السلطات وقوع الضربات، وركّزت على غياب الضحايا، ما عكس رغبة في تجنّب التصعيد الفوري.

ومع ذلك، تم تخفيض العتبة الاستراتيجية بشكل لا رجعة فيه. لقد أظهرت الهند استعدادها لاستخدام ضربات دقيقة بعيدة المدى ضد تهديدات إرهابية عبر الحدود، حتى إن عنى ذلك استهداف أراضٍ باكستانية. إنه تطور مفصلي في ديناميات الردع في جنوب آسيا. السؤال الآن هو: كيف تُقارن عملية “سِندور” بمحطات سابقة مثل بالاكوت وكارجيل؟ وماذا تقول عن عقيدة الهند العسكرية المتغيرة؟

من كارجيل إلى بالاكوت إلى سِندور: مقارنة مع السوابق غير المسبوقة

لفهم الأهمية الفعلية لعملية “سِندور”، من المفيد مقارنتها بثلاث محطات مفصلية: حرب كارجيل عام 1999، ضربة بالاكوت الجوية عام 2019، وحادثة إطلاق صاروخ “براموس” العرضي عام 2022. في كل من هذه الأحداث، اختُبرت عزيمة الهند وردودها الابتكارية تجاه العدوان المدعوم من باكستان، وكان كلٌّ منها خطوة على الطريق نحو اللحظة الراهنة.


كارجيل 1999 مقابل سِندور 2025

كانت حرب كارجيل مواجهة تقليدية عالية الارتفاع دامت عشرة أسابيع، بعد أن تسلل جنود باكستانيون واستولوا سراً على مواقع جبلية داخل الجانب الهندي من خط السيطرة. ردّت الهند بعملية “فيجايا”، وهي تعبئة تقليدية ضخمة لاستعادة أراضيها، شملت عشرات الآلاف من الجنود، طلعات جوية كثيفة، وقصفاً مدفعياً بلا هوادة. ورغم شدة المعارك (أكثر من 500 قتيل هندي)، حرص الطرفان على إبقاء النزاع محصوراً في مسرح كارجيل، دون توسيع نطاقه أو التفكير علنًا باستخدام الصواريخ، خشية دفع الأمور إلى مواجهة نووية. وكان للدبلوماسية الأمريكية حينها دور محوري في إجبار باكستان على التراجع.

في المقابل، تمثل “سِندور” استخداماً “جراحياً” للقوة، لكن هذه المرة داخل الأراضي الباكستانية ذاتها، لا داخل أراضٍ هندية محتلة. العملية انتهت خلال دقائق، لا أسابيع. بدلًا من آلاف القذائف والضحايا، استخدمت الهند حفنة من الصواريخ الدقيقة لتدمير أهداف محددة. صحيح أن نطاق العملية أصغر من كارجيل، لكن رمزيتها أكبر: الهند تعمّدت ضرب أهداف داخل باكستان (في بهاولبور، إقليم البنجاب) وكشمير الخاضعة لسيطرة باكستان، وهو ما لم تفعله حتى أثناء كارجيل.

بمعنى ما، تمثل “سِندور” نقيض كارجيل: سريعة، تكنولوجية، محدودة في الأضرار البشرية، لكنها تهدف إلى الهدف ذاته – فرض كلفة على باكستان دون الانجرار إلى حرب شاملة. أنجزت “سِندور” عبر القوة عن بعد ما أنجزته كارجيل عبر معارك دموية وجهاً لوجه.


بالاكوت 2019 مقابل سِندور 2025

كانت ضربة بالاكوت حتى وقت قريب أجرأ عملية هندية ضد الإرهاب. ففي 26 شباط/فبراير 2019، عبرت طائرات ميراج 2000 الهندية المجال الجوي الباكستاني في الفجر الباكر، وقصفت معسكر تدريب تابع لجماعة “جيش محمد” في بالاكوت، ردًا على تفجير بَلواما الانتحاري الذي أودى بحياة 40 عنصراً من القوات شبه العسكرية الهندية. اعتُبرت الغارة تجاوزًا للهند لما كان يُعد خطًا أحمرًا ذاتيًا: تنفيذ ضربة في عمق الأراضي الباكستانية بعد 1971.

لكن هناك فروقات واضحة:

  • منصة الإطلاق: استخدمت بالاكوت طائرات مأهولة دخلت المجال الجوي الباكستاني. أما “سِندور”، فاُستخدمت فيها صواريخ أُطلقت من داخل الأراضي الهندية، دون أن يتجاوز الطيارون الحدود. هذا يجنب الهند خطر إسقاط أو أسر الطيارين – درس تعلمته من إسقاط طائرة MiG-21 في اليوم التالي لبالاكوت.
  • نطاق الأهداف: استهدفت بالاكوت هدفًا واحدًا. “سِندور” ضربت ثلاث مناطق على الأقل، منها موقع في قلب البنجاب الباكستاني وآخر في كشمير. تقارير تشير إلى تسعة أهداف كليًا – منازل آمنة، منشآت اتصالات، وحتى مدرسة دينية مرتبطة بجماعات متطرفة. تعددية الأهداف وسّعت الصدمة ووجهت رسالة بأن الهند قادرة على ضرب عمق باكستان متى شاءت.
  • تجنّب الضحايا: في كلتا العمليتين، حرصت الهند على تجنّب إيقاع خسائر بشرية واسعة. في “سِندور”، يبدو أن الضربات نُفذت في وقت كان فيه المدنيون غير موجودين، وفقاً لتأكيد باكستان لغياب القتلى. الرسالة: تدمير البنية الإرهابية دون استدراج رد شامل.
  • الرد الباكستاني: بعد بالاكوت، ردّت باكستان بغارة جوية محدودة بعد أقل من 24 ساعة. بعد “سِندور”، اكتفت في البداية بالإدانة ورفع درجة التأهب، متوعدة برد في “الزمان والمكان المناسبين”.

النتيجة؟ تمثل “سِندور” نسخة مطورة من بالاكوت – أكثر دقة، أكثر جرأة، وذات بصمة تكنولوجية أقوى.


حادثة براموس 2022 مقابل سِندور 2025

حادثة إطلاق صاروخ براموس عن طريق الخطأ في آذار/مارس 2022 كانت نذيرًا مبكرًا لما يمكن أن تجرّه الصواريخ على المنطقة. حينها، اعترفت الهند بالخطأ وأبدت باكستان ضبطاً للنفس. لكن في الخفاء، دفعت الحادثة كلا الطرفين لمراجعة بروتوكولات الإطلاق والإنذار.

  • في 2022، لم تكن هناك نية عدائية. في 2025، الضربة كانت مقصودة تمامًا.
  • ساعدت الحادثة السابقة باكستان على تهدئة أعصابها وتقوية منظوماتها الرادارية – ربما هذا ما ساعدها على قراءة ضربة “سِندور” بأنها محدودة، دون الحاجة إلى رد فوري شامل.
  • الهند من جهتها، حسّنت بروتوكولاتها وتأكدت من دقة صواريخها قبل استخدامها ميدانيًا. من المحتمل أن رسائل تهدئة أُرسلت عبر قنوات خلفية إلى باكستان لتوضيح حدود الضربة، وإن بشكل غير معلن.

الخلاصة: مثلما مهدت كارجيل لمفهوم “التصعيد المحدود”، ومهدت بالاكوت لمبدأ “الضربات الوقائية”، ومهدت حادثة براموس لفهم هشاشة أنظمة الإنذار – فإن “سِندور” تجمع بين كل تلك الدروس: ضربة محسوبة، منسقة، ومبنية على التطور العقائدي الجديد في استراتيجية الردع الهندية.

تطور العقيدة: من “الانطلاق البارد” إلى الضربات عن بُعد

لم تأتِ عملية “سِندور” من فراغ؛ بل هي نتاج عقيدة عسكرية هندية تتطور منذ عقدين، في اتجاه الانتقال من ضبط النفس الاستراتيجي إلى الرد السريع الدقيق. لفهم أبعاد هذه العقيدة، لا بد من مراجعة مفهوم “الانطلاق البارد”، وتأمل صعود قدرات الهند في الضرب عن بُعد، وكيف تحوّلت من منطق التريّث إلى منطق المبادرة الاستباقية في إدارة أزمات ما بعد الهجمات الإرهابية.


نظرية “الانطلاق البارد”

بعد هجوم 2001 على البرلمان الهندي، والذي كاد يشعل حربًا شاملة بين الهند وباكستان (أزمة 2001–2002)، طوّر الجيش الهندي مفهوم “الانطلاق البارد” كعقيدة حرب محدودة. جوهر الفكرة هو تنفيذ هجمات برية سريعة ومحدودة داخل باكستان خلال ساعات من أي استفزاز، لفرض كلفة على المعتدي دون تجاوز العتبة النووية. كانت الفكرة أن العقاب يأتي تقليديًا، وبشكل خاطف، بحيث لا يُعطي لباكستان الوقت أو الذريعة لاستخدام أسلحتها النووية التكتيكية.

لسنوات، بقي هذا المفهوم في الظل، تنفيه الهند رسميًا، لكنه وُظف في تحديث التشكيلات القتالية ومناورات واسعة في العقدين الماضيين. لكن في الواقع، لم تنفذ الهند “الانطلاق البارد” بحذافيره. ففي أحداث كبرى مثل هجوم مومباي 2008، امتنعت الهند عن الرد العسكري، خوفًا من التصعيد النووي والتداعيات الاقتصادية والدولية. ظلّ الانطلاق البارد فكرة على الورق، مقيدة ببطء الحشد اللوجستي وضغط المجتمع الدولي.

لكن المزاج بدأ يتغير مع وصول رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى السلطة عام 2014، حيث اتخذت الهند موقفًا أشد حيال الإرهاب العابر للحدود. أُعطي الجيش ووكالات الاستخبارات مساحة أوسع للعمليات. نتج عن ذلك الضربات الجراحية في كشمير الباكستانية عام 2016، ثم غارة بالاكوت الجوية عام 2019 – وكلتاهما تجسدان روح “الانطلاق البارد”، لكن بأدوات أكثر مرونة: قوات خاصة أو ضربات جوية بدلًا من اجتياحات مدرعة.


نضوج قدرات الضرب عن بُعد

بالتوازي، استثمرت الهند بكثافة في أنظمة الضرب عن بُعد – أي القدرة على استهداف العدو بدقة من دون تعريض الجنود أو الطيارين للخطر المباشر. حجر الزاوية في هذا التحول كان صاروخ براموس فائق الصوت (بالتعاون مع روسيا)، إلى جانب صاروخ برالاي الباليستي قصير المدى، ومجموعة من الذخائر الذكية المحمولة جوًا. كما عززت الهند قدراتها بالمدفعية المتقدمة مثل مدافع M777 وأنظمة الصواريخ “بيناكا”، فضلًا عن الطائرات المسيّرة المسلحة.

تركيب صواريخ “براموس” على مقاتلات “سوخوي 30” شكل نقطة تحول كبرى: بمدى يقارب 400 كلم (مع نسخ مستقبلية تصل إلى 800 كلم)، يمكن للطائرة أن تطلق صاروخًا من المجال الجوي الهندي نحو عمق باكستان خلال دقائق. ويُعتقد أن هذا السيناريو تحقق فعليًا في “سِندور” – حيث استخدمت طائرات “سو-30” لضرب هدف بعيد في بهاولبور، بينما تولّت بطاريات برية (ربما صواريخ “برالاي” أو براموس أرض-أرض) أهدافًا أقرب مثل كوتلي ومواظفَر آباد.

هذا النوع من “الحرب دون تماس مباشر” حقق للهند عنصر المفاجأة، إذ لم ترصد الرادارات الباكستانية الصواريخ إلا وهي قيد الاقتراب النهائي، ما حدّ من فرص الاعتراض. وبما أن منظومة الدفاع الجوي الباكستانية تركز أساسًا على اعتراض الطائرات، فهي أقل فاعلية ضد صواريخ كروز سريعة ومنخفضة التحليق.

الخلاصة: مزجت العقيدة الهندية الجديدة سرعة “الانطلاق البارد” مع مدى ودقة التكنولوجيا الحديثة، دون الحاجة إلى الحشود المدرعة الثقيلة. الهدف الاستراتيجي ذاته – فرض كلفة على باكستان دون تجاوز العتبة النووية – لكن الوسائل تطورت.


التلويح التكتيكي وتوسيع الجغرافيا

كشفت عملية “سِندور” عن توجّه هندي جديد في توسيع جغرافيا الرد: ضرب أهداف بعيدة مثل بهاولبور، على بعد أكثر من 400 كلم من خط السيطرة، رسالة بأن “لا منطقة محصنة بعد الآن”. وبما أن بهاولبور مرتبطة بجماعة “جيش محمد”، فإن الضربة وجهت رسالة صريحة لكل الجماعات الإرهابية داخل باكستان، حتى إن لم تكن هي المعلنة عن هجوم بَهَلْغام.

علاوة على ذلك، أظهرت الضربات المتزامنة في ثلاث مناطق استعداد الهند لتكثيف الضغط عبر جبهات متعددة في الوقت ذاته. ويعكس هذا العقيدة الجديدة القائمة على “الاندماج العملياتي”، حيث تتكامل أدوار القوات البرية والجوية والبحرية (تحدثت تقارير غير مؤكدة عن جاهزية فرقاطات هندية لإطلاق صواريخ بحرية من بحر العرب أثناء العملية). إنها ممارسة لفرض التفوق التقليدي الشامل تحت سقف الردع النووي.


من الضبابية إلى العلنية

عنصر آخر لافت هو الانتقال من الضربات الخفية إلى الضربات المعلنة. ففي السابق، سعت الهند إلى الإنكار أو التعتيم (كما في ضربات 2016 التي أُعلنت لاحقًا دون تفاصيل). في “سِندور”، أعلنت القيادة العسكرية عن العملية فور وقوعها، بل بلغة احتفالية: “العدالة تحققت”. هذا يؤشر إلى عقيدة أكثر راحة في تملك القرار العسكري على العلن، وتسويق الضربة كدفاع مشروع.

الهند تراهن على تبدّل المزاج الدولي: لم تعد الردود الحذرة على انتهاك السيادة بالقصف الجوي كما كانت. ترى نيودلهي أن العالم أكثر استعدادًا لتقبّل ضربات “مضادة للإرهاب”، كما تفعل قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وإسرائيل. وتريد أن ترسّخ هذا النموذج جنوب آسيا.


في المحصلة، يمكن اعتبار هذا التطور “الانطلاق البارد 2.0” – ليس كاجتياح بري، بل كذهنية انتقام سريعة مدروسة بأدوات عصرية. عملية “سِندور” تجسّد هذا التغيير: نفّذت خلال أسبوعين من المجزرة، بدقة متناهية، من دون تعريض أي جندي للخطر، وفي إطار خطاب رسمي يوحي بعدالة صارمة.

لكن هذا المسار الجديد محفوف بالمخاطر. فكل تصعيد تكنولوجي يعني اختبارًا جديدًا لخطوط باكستان الحمراء، ما يقودنا إلى السؤال التالي: كيف يؤثر ذلك على معادلة الاستقرار في المنطقة؟

الاستقرار تحت الضغط: سلالم التصعيد والمقامرة بالخوارزميات

في صراع الهند وباكستان، كل فعل يُولد رد فعل. عملية “سِندور”، بجرأتها، لم تُغلق صفحة التصعيد، بل فتحت دورة جديدة من التحركات المتبادلة. والسؤال الاستراتيجي الكبير الآن هو: كيف تؤثر هذه الضربة الصاروخية على معادلة الاستقرار في جنوب آسيا؟ لفهم ذلك، لا بد من النظر في “سلّم التصعيد” الذي يصعده الطرفان، وفي خيارات باكستان، ومفهوم الردع في عصر تزداد فيه الأزمات سرعةً بسبب الخوارزميات والبروتوكولات المبرمجة مسبقاً.


سلّم التصعيد: إضافة درجات جديدة

يشير المحللون غالباً إلى “سلّم التصعيد” لتصنيف مستويات الصراع العسكري، من الاشتباكات المحدودة وصولاً إلى الحرب النووية. تاريخياً، كان هناك فجوة كبيرة بين الحرب التقليدية والسلاح النووي، ما أتاح مساحة للصراعات المحدودة كحرب كارجيل. لكن الطرفين تورطا في ما يُعرف بـ”مفارقة الاستقرار-اللااستقرار”: وجود السلاح النووي قلل من احتمال الحرب الشاملة (استقرار على القمة)، لكنه شجّع على الصراع منخفض الحدة (عدم استقرار في القاع، مثل الإرهاب بالوكالة والقصف الحدودي).

الآن، مع عمليات مثل “بالاكوت” و”سِندور”، تُدخل الهند درجات جديدة على هذا السلّم. الرسالة هي: هناك خيارات بين تبادل قذائف الهاون والتعبئة للحرب الشاملة – يمكن للهند أن تضرب بدقة وبسرعة، دون تجاوز العتبة النووية.

هذا السلوك يحمل وجهين: من جهة، قد يتيح نوعًا من “التعايش التصعيدي المُدار”، حيث يرد كل طرف ضمن حدود محسوبة. ومن جهة أخرى، كل درجة جديدة تقرب الطرفين من الحافة. إنه كالسلم المؤدي إلى الهاوية: يمكن الصعود لأعلى دون السقوط فوراً، لكن كل درجة إضافية تجعل السقوط أقرب.


خيارات باكستان ومعضلتها

تواجه باكستان الآن معضلة استراتيجية. عدم الرد ليس خيارًا سياسيًا؛ إذ سيفسر كضعف. لكن الردّ المماثل قد يشعل مزيدًا من التصعيد ويجلب إدانة دولية. تقليديًا، اعتمد الجيش الباكستاني على عقيدة “الردع الشامل”، والتي تشمل احتمال استخدام السلاح النووي التكتيكي لردع تهديد وجودي. لكن في سيناريوهات ما دون النووي، تحاول باكستان الحفاظ على توازن الردع من خلال الرد بالمثل.

بعد “بالاكوت” في 2019، نفذت باكستان ضربة جوية خلال 30 ساعة لإثبات أنها لن تصمت. أما بعد “سِندور”، فهناك توقع برد صاروخي مماثل: ربما “ضربة مقابل ضربة” – ثلاث ضربات مقابل ثلاث، لتحقيق توازن رمزي أمام الداخل الباكستاني والمجتمع الدولي. الجيش الباكستاني وُضع في حالة تأهب قصوى، وكانت هناك اختبارات صاروخية قبل العملية (من طراز “عبدلي” 450 كلم) في رسالة استعداد.

لكن المشكلة أن باكستان لا تملك أهدافًا “متكافئة” داخل الهند تضربها بحجة مكافحة الإرهاب، إذ لا توجد معسكرات مماثلة. بالتالي، قد تضطر لاستهداف منشآت عسكرية هندية أو بنية تحتية مثل قواعد في جامو وكشمير أو منشآت طاقة – على غرار ما فعلته الهند: ضرب دون إيقاع خسائر بشرية، وفي ساعات متأخرة لتجنب التصعيد المباشر.

لكن حتى هجوم باكستاني “محسوب” على الأراضي الهندية يُعد تصعيدًا بالغ الخطورة. فالهند، وخاصة تحت الحكومة الحالية، باتت تميل للرد بقوة إن تعرّضت أصولها للهجوم. وقد تبدأ دورة انتقام متتالية: سِندور → رد باكستاني → رد هندي مضاعف… وهكذا. هنا يبدأ الصعود السريع على سلّم التصعيد.


المقامرة بالخوارزميات

تتمثل الخطورة الكبرى في ما يسميه البعض بـ”المقامرة الخوارزمية” – أي أن كل طرف يملك سيناريوهات تصعيد محددة سلفاً: إذا فعلت الهند (أ)، ترد باكستان بـ(ب)، فترد الهند بـ(ج)… إلخ. ورغم منطقية هذا من الناحية العسكرية، إلا أنه يخلق آلية تصعيد ذاتية الحركة قد تتجاوز نوايا القادة.

كلما زاد الاعتماد على التكنولوجيا (صواريخ دقيقة، دفاعات جوية، حرب إلكترونية)، تقلصت دائرة اتخاذ القرار البشري. تخيل مثلاً أن نظام دفاع جوي باكستاني آلي يسيء تفسير صاروخ هندي ويطلق اعتراضًا يصيب الأراضي الهندية. أو أن نظام إنذار هندي يفسر حركة باكستانية على أنها هجوم ويدفع لرد استباقي. هذا هو كابوس المقامرة الخوارزمية: أن تتحرك الآلات (أو العقائد الصلبة) أسرع من حسابات السياسة.


توازن الردع في حالة تغيّر

حتى الآن، حافظت الهند وباكستان على “تفاهمات ضمنية” في توازن الردع: باكستان تعتبر أسلحتها النووية رادعًا للغزو الهندي، والهند ترى ضبط النفس وسيلة لمنع استفزازات أكبر. لكن “سِندور” تختبر معادلة جديدة: هل يمكن لضربات تقليدية محسوبة أن تردع الإرهاب دون إشعال حرب؟

إذا انتهت الأزمة دون تصعيد، فقد تعتبر نيودلهي أنها “ربحت” – أثبتت قدرتها على الضرب دون رد باكستاني مباشر. لكنها ستكون سابقة محفوفة بالخطر: إذ يمكن أن تُغري الهند بتكرار النموذج لاحقاً، أو تدفع باكستان إلى كسر العادة والرد بقوة في المرة القادمة.

هناك مؤشرات على توتر داخلي في باكستان: الجيش يواجه ضغطًا لاستعادة الهيبة، والقيادة السياسية أمام جمهور غاضب. على الجانب الآخر، قد تدفع شعبية خطاب “العدالة تحققت” في الهند حكومتها لاتخاذ موقف أكثر تشددًا في أي تصعيد لاحق.

دوليًا، القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين تتدخل بهدوء. كما حدث في 2019 بعد بالاكوت، تحاول واشنطن تهدئة الموقف، وربما تضغط خلف الكواليس لتقييد التصعيد. الصين، رغم قربها من باكستان، لا ترغب في انفجار الوضع قرب مشاريعها الإقليمية.

لكن نفوذ هذه القوى محدود. القيادة الهندية والباكستانية كلتاهما تواجه ضغوطًا داخلية. أي خطأ في الحساب أو تجاوز غير محسوب قد يؤدي إلى كارثة.

حرب السرديات: تفكيك “العدالة تحققت” في نظر الجمهور المحلي والإقليمي والدولي

في زمن الحروب الإعلامية، تُخاض المعارك على شاشات الهواتف والمنصات الاجتماعية بقدر ما تُخاض في الميدان. لم تكن عملية “سِندور” استثناءً، بل رافقتها حملة سردية مقصودة، تجسدت في العبارة التي بثها الجيش الهندي مباشرة بعد الضربة: “العدالة تحققت”. لتشريح هذه العملية بالكامل، لا بد من تحليل هذا الشعار واستراتيجية الخطاب التي تحيط به – كيف يخاطب الداخل الهندي، وكيف يُفهم في باكستان، وماذا يترك من انطباع لدى المجتمع الدولي. فالكلمات قد تكون أدوات ردع لا تقل فعالية عن الصواريخ.


الجمهور الداخلي (الهند)

داخل الهند، لاقت عبارة “العدالة تحققت” صدىً وجدانيًا قويًا. مجزرة بَهَلْغام، التي طالت سياحًا هندوسًا عُزلاً بينهم نساء وأطفال، فجّرت مشاعر الغضب الشعبي، وارتفعت أصوات المطالبة بالانتقام في وسائل التواصل والإعلام. بقولها إن “العدالة تحققت”، صاغت المؤسسة العسكرية الرواية على أنها قصاص مشروع – توازن أخلاقي يعيد الاعتبار للضحايا.

وقد أحدثت هذه الرسالة تأثيرًا مباشرًا على المزاج العام: شعر المواطن الهندي أن الحكومة تحرّكت بسرعة وثقة. انتشرت العبارة كوسم واسع، رافقته صور ومقاطع تفجيرات دقيقة، ما عزّز إحساساً بالفخر والكرامة الوطنية. رسالتها: “لن نسمح بأن تمر جريمة دون عقاب”.

من الناحية السياسية، كسبت الحكومة الحاكمة رصيدًا في صورة الحسم والحزم. كما أن لغة “العدالة” تُستخدم كدرع ضد النقد الداخلي: فكل من يشكك في الضربة أو يحذّر من التصعيد، يمكن تأطيره في خانة “المعارض للعدالة”. إنه احتكار أخلاقي للخطاب، يمنح الجيش والحكومة غطاء شعبياً صلباً.

لكن الوجه المظلم لهذا السرد هو خلق شعور مفرط بالثقة العامة. فلو اعتقد المواطن أن الهند يمكنها ضرب باكستان متى شاءت وبدون تبعات، فإن أي هجوم مستقبلي قد يولّد ضغطاً غير مسبوق على القيادة لتكرار أو تصعيد الرد، ما يقيّد هامش المناورة.


عبر الحدود (باكستان)

في باكستان، كان وقع عبارة “العدالة تحققت” نقيضاً كاملاً. اعتُبرت استفزازًا فظاً، بل إهانة للسيادة الوطنية. فهي تعني ضمنًا أن الهند نصّبت نفسها قاضيًا وجلادًا، ونفّذت حكمًا على أرضٍ باكستانية دون إذن أو محاسبة.

المؤسسة العسكرية الباكستانية (ISPR) ردّت سريعًا، ووصفت الضربة بأنها “هجوم جبان عن بُعد”، نافية وجود “بنية تحتية إرهابية” مستهدفة، ومؤكدة أن الضربة أصابت مسجدًا ومنشآت مدنية. الإعلام الباكستاني استثمر العبارة ليبرز ما يعتبره عدواناً هندياً متغطرساً لا يحترم القانون الدولي.

بالنسبة للرأي العام الباكستاني، الذي يرى في انتفاضة كشمير صراعًا من أجل التحرر لا “إرهاباً”، جاءت هذه العبارة كدليل على العداء الهندوسي للحكومة الهندية. وتغذّي الرواية الرسمية بأن نيودلهي تستخدم “مسرحيات إرهابية” كذريعة للعدوان. بعض المسؤولين ألمح إلى احتمال أن تكون مجزرة بَهَلْغام عملية كاذبة (“false flag”) لتبرير الضربة.

لكن في بُعدها النفسي، تحمل العبارة أيضًا طابع الاستفزاز المتعمد. إنها طريقة لزرع الشك في الداخل الباكستاني: كيف استطاعت الهند تنفيذ الضربة دون أن تُمنع؟ هل تهاون الجيش؟ هل باتت الحدود مخترقة؟ حتى إن لم تعترف بذلك صراحة، فهي محاولة لزعزعة ثقة الباكستانيين بمؤسساتهم الدفاعية.

وردّت باكستان باستخدام عبارة معاكسة: “العدالة ستُحقق بحق الهند”، في انعكاس لفظي متعمد للخطاب الهندي، إيذانًا برد انتقامي مرتقب.


الجمهور الدولي

بالنسبة للمجتمع الدولي، العبارة “العدالة تحققت” تحمل أبعادًا مركّبة. تحاول الهند إيصال رواية مفادها أن عملية “سِندور” كانت إجراءً مضادًا للإرهاب، مشروعًا ومضبوطًا. أي أن الدولة تصرفت كأي دولة مسؤولة تُعاقب الجناة وتمنع تكرار الجريمة.

الهند أوضحت أنها استهدفت بنية إرهابية، وتجنّبت عمدًا إيقاع خسائر بشرية. وبربط الضربة بمجزرة بَهَلْغام، تسعى لتأطيرها ضمن سردية “الحرب العالمية على الإرهاب”، لتُشبهها بضربات أمريكية أو إسرائيلية ضد أهداف معادية في أراضٍ سيادية.

ردود الأفعال الدولية كانت حتى الآن حذرة. كثير من الدول دان مجزرة بَهَلْغام، ودعا لضبط النفس. لكن خلف الكواليس، الهند تراهن على تفهم صامت من عواصم كبرى، ترى أن العملية مفهومة، حتى إن لم تؤيّدها علنًا.

وبالفعل، تستند الهند إلى سوابق: الولايات المتحدة نفذت غارة لقتل أسامة بن لادن داخل باكستان دون إذن، وبررتها بـ”تحقيق العدالة”. الهند تستحضر هذا النموذج لتشرعن عمليتها.

لكن في المقابل، تستخدم باكستان عبارة “العدالة تحققت” كدليل على خطورة الغرور الهندي. تستعرض صور المساجد المتضررة وتناشد المجتمع الدولي التدخل، محذّرة من اندفاع دولة نووية نحو العدوان بلا رادع. رسائلها الدبلوماسية تزخر بتعابير مثل “عدوان أحادي” و”تصعيد خطير”.

نجاح أي من الروايتين – الهندية أو الباكستانية – في كسب الرأي العام العالمي سيؤثر على المرحلة التالية. إن شعرت الهند أن العالم يتفهم موقفها، فقد تمضي قدمًا بثقة. أما إن شعرت باكستان أن العالم ينظر بتشكك، فقد تُصعّد لاستعادة هيبتها.


اتجاه السرديات

على منصات التواصل، يخوض الطرفان معركة “الوسوم”: الهند تدفع #عملية_سِندور و#العدالة_تحققت، مع صور أقمار صناعية وتعليقات عن “الضبط والانضباط”. باكستان تروّج لـ#الرد_قادم و#العدوان_الهندي، مع لقطات للدمار المدني ومقابلات مع الأهالي.

لكن هذه المعركة السردية ليست مجرد تزيين إعلامي. بل قد تحاصر صناع القرار داخل سرديات لا رجعة منها. في الهند، بعد تبني شعار “العدالة تحققت”، يصعب على الحكومة التراجع في المواجهات القادمة دون رد أقوى. في باكستان، بعد شيطنة “العدالة الهندية”، يصبح الرد فرضاً وجودياً لحفظ ماء الوجه.

ماذا بعد؟ ثلاثة سيناريوهات على شفير الهاوية

بينما يتلاشى دخان عملية “سِندور”، تجد جنوب آسيا نفسها معلّقة بين الحرب والسلام القلق. ما سيحدث لاحقًا يتوقف على توازن دقيق بين التحركات العسكرية، والجهود الدبلوماسية، وقَدَر لا يمكن التنبؤ به. في هذا القسم الختامي، نستعرض ثلاثة مسارات محتملة للتصعيد: حرب محدودة، مواجهة مدارة ومؤقتة، وسيناريوهات البجعة السوداء التي قد تقلب كل الحسابات. كل منها يحمل نتائج استراتيجية مختلفة ومخاطر وجودية.


1. اندلاع حرب محدودة

في أسوأ السيناريوهات – وإن كان ممكنًا – يتواصل التصعيد ويتعمّق. تردّ باكستان كما هو متوقع، ربما بثلاث ضربات صاروخية على أهداف عسكرية هندية في جامو أو البنجاب. وتفترض أن إحدى هذه الضربات تصيب مستودع ذخيرة، موقعة خسائر بشرية كبيرة. حينها، وبضغط شعبي هائل، تردّ الهند مجددًا، ربما بضرب مقرّ قيادة لواء باكستاني، أو بسلسلة غارات جوية على طول خط السيطرة.

يتحول التصعيد سريعًا إلى اشتباكات حدودية مباشرة: قصف مدفعي، مواجهات مدرعة في صحراء راجستان، ومعارك جوية في سماء البنجاب. الطرفان قد يبدآن تعبئة واسعة احترازية، ونصل إلى شفير الحرب التقليدية.

قد تبقى الحرب محدودة جغرافيًا (ضمن كشمير والقطاعات الحدودية)، وقد تكون قصيرة نسبيًا (أيام أو أسابيع)، لأن الضغط الدولي لوقفها سيكون هائلًا. لكن الحرب ليست ظاهرة يمكن التحكم بها بسهولة؛ لديها منطقها الخاص. في حال رجحت كفة أحد الطرفين، قد يشعر الطرف الآخر بضرورة استخدام سلاح نووي تكتيكي لوقف التقدم، وفق عقيدة باكستان: “استخدمه أو اخسره”.

الهند، في المقابل، تتبنى مبدأ الردّ الكاسح على أي استخدام نووي، ما يعني كارثة يصعب تخيلها. حتى دون بلوغ العتبة النووية، فإن حربًا محدودة قد تكون مدمّرة إنسانيًا واقتصاديًا، وتعيد المنطقة سنوات إلى الوراء، وتترك جراحًا عميقة في الوعي الجماعي.


2. مواجهة مدارة (تهدئة مع إبقاء التوتر)

هذا السيناريو هو ما تأمل به الأطراف العاقلة، ومعها القوى الدولية. كيف يمكن أن يحدث؟ تردّ باكستان، لكن بشكل مدروس: ربما تطلق صواريخ على مناطق غير مأهولة، أو تنفذ غارة جوية رمزية على موقع عسكري فارغ – فقط لتقول “لقد ردّدنا”، دون إيقاع إصابات.

الهند، وقد أظهرت “حزمًا”، تختار التوقف عند هذا الحد. يتم التوصل ضمنيًا إلى تفاهم: ضربة بضربة، لا مزيد. تدخل الدبلوماسية على الخط بقوة: واشنطن، بكين، ودول الخليج تبادر لتطويق الأزمة. ربما تُعقد صفقات غير معلنة: باكستان تعتقل بعض قادة الجماعات، أو الهند تتوقف عن ضربات جديدة مقابل “تشديد أمني” باكستاني في كشمير.

كل طرف يُعلن النصر على طريقته: الهند تقول إنها “عاقبت الإرهاب وأثبتت الردع”، وباكستان تؤكد أنها “ردّت على العدوان وحمت الكرامة”. يعود التوتر إلى خط السيطرة، مع تبادل قصف محدود، لكن دون تصعيد استراتيجي.

بعد أسابيع، تنخفض درجة الاستنفار تدريجيًا. قد يُعاد تفعيل اتفاقات مثل “معاهدة مياه السند” التي علّقتها الهند. وتبدأ قنوات الاتصال الدبلوماسي بالعودة تدريجيًا.

لكن هذا السيناريو لا يحقق سلامًا دائمًا؛ هو فقط وقف مؤقت للعد التنازلي إلى الأزمة التالية. هو نمط مألوف في جنوب آسيا: اشتعال، فتصعيد، فتدخل خارجي، فعودة إلى “سلام مسلّح”.


3. البجعة السوداء: مفاجآت تقلب الطاولة

وراء السيناريوهات المتوقعة، lurk أحداث غير متوقعة وعالية التأثير – “بجع أسود” يخرج عن النص. بعض الاحتمالات:

  • هجوم كاذب أو تفجير تصعيدي متعمد: قد تنفذ جهة ثالثة (مثل فصيل متطرف غير منضبط) عملية في الهند لإشعال الفتيل، فتتهم الهند باكستان ويبدأ التصعيد على أسس خاطئة. أو قد تحدث مسرحية مدبرة من داخل أحد الطرفين لتبرير رد أكبر.
  • تصعيد إلكتروني: تملك الدولتان قدرات هجومية سيبرانية. قد تردّ باكستان بهجوم إلكتروني يشل شبكة كهرباء في مومباي، أو يعطل حركة السكك الحديدية. إن سبّب ذلك كارثة (حريق، حادث قطار)، فقد يُعتبر بمثابة هجوم مادي يستدعي ردًا عسكريًا.
  • حوادث عسكرية عفوية: مثل إطلاق نار خاطئ، أو إسقاط طائرة مدنية في منطقة توتر، أو تصادم مقاتلتين بالخطأ – كما حدث في نزاعات أخرى – ما يدفع الأمور إلى التصعيد رغم النوايا الأصلية.
  • اهتزاز القيادة: قد يؤدي التوتر إلى احتجاجات في باكستان تضغط على القيادة المدنية، أو حتى إلى انقلاب داخلي في ظل الضباب. في الهند، قد يؤدي فشل ميداني أو ضغط شعبي إلى خيارات متطرفة من الحكومة.
  • تحركات قوى خارجية: مثل استغلال الصين انشغال الهند وتحرّكها عسكريًا في لاداخ، ما يفتح جبهة ثانية. أو تدخّل أمريكي بحشد بحري يُفسَّر بأنه انحياز للهند، ما يدفع باكستان للتصعيد.

أي من هذه الأحداث قد يقلب المشهد رأسًا على عقب – إما بفرض وقف مفاجئ للتصعيد، أو، غالبًا، بإشعال أزمة أكبر غير محسوبة.


أي طريق ستُسلك؟

حتى اللحظة، المشهد معلق. كلا البلدين يُجري حساباته بناءً على منطق عسكري، ضغط داخلي، ونصائح خارجية. الحرب ليست في مصلحة أحد، لكن المسار نحوها قد يبدأ بخطأ واحد أو رد غير محسوب.

قد نرى محادثات خلف الستار، أو وساطة طرف ثالث لرسم “خطوط حمراء” ضمنية: ضربة لكل طرف وانتهى. إن نجحت، تتجنّب المنطقة الكارثة – وإن بصيغة أكثر عسكَرة وتوترًا من السابق.

لكن إن تغلّبت العواطف أو الحسابات الخاطئة، فقد تنفجر المواجهة – حرب لا يمكن للمنطقة تحملها، ولا يمكن للعالم احتواؤها بسهولة. الردع النووي يبقى الجدار الأخير. لكنه جدار لا يجب اختباره.

الخاتمة: غيوم داكنة… وبصيص أمل؟

كشفت عملية “سِندور” عن ملامح مرحلة جديدة في الصراع الاستراتيجي بين الهند وباكستان – مرحلة تطير فيها الصواريخ فعلًا، لكن تظل فيها الأسلحة النووية في الظل، تردع الطرفين عن الانزلاق الكامل نحو الهاوية. إنها تعبير عن تحوّل في العقيدة الهندية: نهج أكثر صرامة، أكثر استعدادًا للمخاطرة، يهدف إلى فرض كلفة حقيقية على باكستان مقابل دعمها المتواصل للإرهاب العابر للحدود.

ومن زاوية الواقعية الاستراتيجية، يمكن قراءة الضربة الصاروخية كخطوة حاسمة لإعادة ضبط ميزان الردع التقليدي. رفضت نيودلهي أن تكون الضحية التي تنتظر التعاطف العالمي، فبادرت إلى الرد بنفسها، وأظهرت أنها لن تقف مكتوفة الأيدي بعد الآن. وقد يحقق هذا، إن توقّف التصعيد هنا، تأثيرًا ردعيًا على المدى القريب، ويثني باكستان عن المغامرات مستقبلاً.

لكن من منظور “تشريح مؤسسي” للأزمة، تكشف هذه اللحظة عن هشاشة الإطار الاستقراري في جنوب آسيا. الاتفاقات الضمنية، الخطوط الحمراء غير المعلنة، والأعراف التي حالت دون الانفجار في السابق – كلها باتت عرضة للانهيار. “المقامرة بالخوارزميات” – ذلك النمط الجديد الذي تُنفّذ فيه العقائد العسكرية والبروتوكولات بسرعة لا تسمح للعقل السياسي بالتدخل – يعني أن كل أزمة قابلة الآن للانزلاق أسرع وأبعد من المتوقع.

الهند وباكستان تدخلان مرحلة غير مسبوقة: كل طرف يظن أنه قادر على التصعيد دون تجاوز الخطوط النووية. وهذه، كما يشير الخبراء، أخطر أنواع الأوهام الاستراتيجية. لأنها تشجع الطرفين على “اختبار الحدود”، ومع كل اختبار، تزداد المخاطر.

في هذه اللحظات الحرجة، يترقب العالم. هل ستُسجل “سِندور” في كتب التاريخ كضربة محسوبة أعادت ضبط ميزان الردع لصالح الهند؟ أم كالرصاصة الأولى في حرب صواريخ جنوب آسيوية ندم عليها الجميع لاحقًا؟

الإجابة ستُكتب في الأيام والأسابيع القادمة – في نيودلهي، إسلام آباد، وربما في الغرف الخلفية بواشنطن وبكين وغيرها من العواصم التي تحاول الآن إخماد الحريق.

في خضم هذا التوتر، يبرز وضوح قاتم: السلام في جنوب آسيا سيعتمد مستقبلاً على القدرة على ضبط النفس أمام الاستفزاز، وعلى التواصل وسط الضباب. “سِندور” كانت رسالة مكتوبة بالنار. ما تحتاجه المنطقة الآن هو حوار مكتوب بالعقل.

كلا الطرفين أثبت أنه قادر على الابتكار العسكري. لكن المطلوب اليوم هو الابتكار الدبلوماسي – لصياغة قواعد اشتباك جديدة قبل أن تقع “سِندور” أخرى… أو ما هو أسوأ.

وإن كان ثمة بصيص أمل، فهو أن الطرفين – حتى اللحظة – أظهرا رغبة في إبقاء المواجهة محدودة. هناك إدراك متبادل، وإن كان غريزيًا، بأن تجاوز خطوط معينة سيكون انتحارًا متبادلاً. هذا الإدراك الخائف كان، ولا يزال، صمام الأمان الوحيد.

لكن لا يمكن بناء استقرار دائم على الخوف وحده. الردع السلبي يمنع الحرب، لكنه لا يصنع سلامًا.
السلام الحقيقي يتطلب إجابات على أسئلة “سِندور”:
كيف نردع الإرهاب دون أن ندفع نحو الكارثة؟
كيف نحقق “العدالة”… دون أن نفتح أبواب الفوضى؟

تلك هي المعادلات الكبرى التي ستحدّد مستقبل جنوب آسيا – مستقبل تتدلى فيه الصواريخ فوق الرؤوس، وأصابع القادة لا تبتعد كثيرًا عن الزناد.

Prime Rogue Arabic aims to provide Prime Rogue Inc’s Arabic-speaking audience with translations of relevant articles into Arabic. This is a translation of “Operation Sindoor: India’s First Missile War? A Strategic Autopsy of the Pahalgam Retaliation” published today and available here.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *