القسم الأول: المقدمة — أول صدع في الهيمنة الأميركية-الإسرائيلية
في 19 أبريل 2025، حطّت طائرات تابعة للقوات الجوية لجيش التحرير الشعبي الصيني في قاعدة جوية مصرية ضمن مناورة مشتركة أُطلق عليها اسم “نسور الحضارة 2025” — وهي الأولى من نوعها بين البلدين. من المقرر أن تستمر التمرينات حتى أوائل مايو، وقد تبدو، للوهلة الأولى، مجرد بادرة رمزية أخرى ضمن دبلوماسية بكين العسكرية المتوسعة عالميًا.
لكن لا شيء في هذه اللحظة رمزي.
ليست مجرد خطة طيران فوق سيناء، بل هي تصدّع — شرخ ظاهر في الهيكل الهش للهيمنة الإقليمية الأميركية-الإسرائيلية. فعلى مدى عقود، ضمنت المساعدات العسكرية الأميركية أن تبقى مصر مطواعة ومجردة من التأثير الاستراتيجي. وعلى مدى عقود، تمتعت إسرائيل بتفوّق جوي غير قابل للنقاش، وحصانة دبلوماسية تجاه حتى أكثر جرائمها الحربية فظاعة. وعلى مدى عقود، تم الحفاظ على وهم الإجماع الإقليمي بالقنابل، وحزم المساعدات، والصمت.
والآن، فإن أحد أكثر حلفاء أميركا تمويلاً، يدعو خصمها الرئيسي ليحلّق في سمائه. هذه ليست مناورة. هذه رسالة.
والرسالة واضحة: العالم لم يعد أحادي القطب. لا في آسيا. لا في إفريقيا. ولا في الرمال الملطخة بالدماء بين غزة ورفح.
التمرين الجوي المشترك بين الصين ومصر لا يعلن عن تحالف جديد قائم على الخير. فالصين لا تأتي لتُنقذ أحدًا. لكنها تشير إلى نهاية شيء آخر — نهاية احتكار الغرب غير المتنازع عليه للأمن في الشرق الأوسط. الأرض تتحرّك. السماء تتحرّك. وميزان القوى، الذي ظلّ مجمدًا طويلًا، بدأ في التحوّل.
القسم الثاني: كيف بنت الولايات المتحدة الإقليم — ثم أحرقته
لفهم خطورة المناورة الجوية بين الصين ومصر، لا بد من العودة إلى البنية التي تهدد هذه المناورة بانهيارها — البنية التي شيدتها واشنطن، وأتقنتها تل أبيب، وتلقت القاهرة المال لصيانتها.
فطوال أكثر من أربعة عقود، كانت مصر حجر الزاوية في النظام الأمني للشرق الأوسط الذي هندسته الولايات المتحدة. وبعد اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978، كرّست واشنطن انتصارها عبر ربط مصر بعلاقة زبونية دائمة. ومنذ ذلك الحين، تدفّق أكثر من 50 مليار دولار من المساعدات العسكرية الأميركية إلى القاهرة. طائرات مقاتلة، دبابات، تدريبات على مكافحة الإرهاب، أنظمة مراقبة — كل ذلك لم يُبنَ لتمكين مصر، بل لضمان صمتها.
صمت عندما قصفت إسرائيل لبنان عام 2006. صمت عندما حوّلت غزة إلى سجن مفتوح. صمت عندما استهدفت الطائرات الحربية الإسرائيلية الصحفيين، والأطفال، وقوافل المساعدات عام 2023، ومرة أخرى في 2024. صمت عندما أُحرقت رفح.
المنطق كان بسيطًا: موّل النخبة الأمنية في مصر، وسيتكفلون بإخماد الشارع العربي. اجعل القاهرة شريكة في الجريمة، ولن تملك يومًا مصداقية للاعتراض.
وقد نجح هذا النموذج. حتى الآن.
“نسور الحضارة 2025” ليست احتجاجًا — بل إعادة تموضع. للمرة الأولى منذ كامب ديفيد، تدعو مصر قوة منافسة إلى بنية تحتها العسكرية، لا لإرضاء واشنطن، بل للتحوّط ضدها. وهذه الدعوة ليست ردّ فعل مؤقت، بل انعكاس لتحوّل بنيوي. لأن البنية التي شيدتها الولايات المتحدة تنهار — تحت وطأة إفلات إسرائيل من العقاب، وانحدار أميركا، والبث المتواصل لجرائم الحرب من غزة حتى الخليج.
لقد شاهد العالم الأسلحة الأميركية وهي تمزّق أجساد الأطفال الفلسطينيين. شاهد العالم العربي. ومصر — القوة المفترضة للاستقرار — لم تعد راغبة في أن تظهر وكأنها تمسك المقود بينما الكلب ينهش الحي بأكمله.
ما نشهده ليس عداءً لأميركا — أو لنكن أكثر دقة، ليس فقط عداءً، وإن كان مستحقًا — بل هو فكّ ارتباط استراتيجي، لا ينبع من أيديولوجيا، بل من الضرورة. مصر لا تحتاج إلى أن تتخلى عن الولايات المتحدة كي تبرهن على استقلالها. كل ما عليها هو أن تتوقف عن التظاهر بأن الولاء مجاني، لا محدود، وأعمى.
العصر الأميركي في الشرق الأوسط لم ينتهِ. لكن وهم ديمومته — لفظ أنفاسه الأخيرة في قاعدة جوية مصرية، عند مدرج تهبط عليه طائرة صينية.
القسم الثالث: استراتيجية جيش التحرير الشعبي — إسقاط القوة من دون وعظ
الصين لا تُصدّر الديمقراطية. إنها تُصدّر النفوذ.
مناورة “نسور الحضارة 2025” ليست شذوذاً عن القاعدة، بل امتدادٌ منطقي لنمط استمر على مدى عقدين: القوة الناعمة عبر دبلوماسية الديون، والقوة الصلبة عبر الدعوة. فبينما تصل النفوذ الأميركي على أجنحة مراكز الأبحاث، وشروط المساعدات، وأحيانًا الضربات الجوية، تفضّل الصين الإسمنت، والعقود، والوجود الهادئ — حتى الآن.
لكن هذه ليست جيبوتي. ليست صفقة “حزام وطريق” مدسوسة في ميناء جاف. بل هي قوة جوية صينية تنفّذ مناورات تكتيكية مشتركة على أرض أجنبية، على بُعد آلاف الأميال من الوطن — بقوات مدرّبة على العمل في بيئات معادية للمعلومات. ومصر، ثاني أكبر متلقٍ للمساعدات الأميركية، وأكثر الأنظمة العربية اتساقًا مع واشنطن تاريخيًا، قد فتحت الباب.
والأمر يتجاوز الأُطر الجوية وخطط الطيران.
فخلف كل مناورة يوجد عقيدة. وخلف كل تمرين مشترك هناك تبادل صامت للتكتيكات، والترددات، والأهم: الوصول. الوصول إلى البصمات الكهرومغناطيسية. الوصول إلى أنظمة بمعايير الناتو. الوصول إلى الإجراءات المضادة، ومصفوفات الرادار المتوافقة بعدُ مع المنصات الأميركية. فإذا اقترب فنّيون أو مراقبون صينيون من إلكترونيات طائرات F-16 أو شبكات المعركة الأميركية، فذلك ليس شراكة — بل فرصة استطلاع.
كما أنها فرصة تدريب حقيقي للقوات الجوية الصينية، التي تفتقر إلى الخبرة في أجواء إقليمية معقدة. الطيران عبر الممرات المصرية — على طول قناة السويس، وعبر مناطق عازلة محاذية للبحر الأحمر — يمنح بكين خبرة لا يمكن محاكاتها فوق تايوان أو شينجيانغ.
والأهم أن مصر لم تقطع علاقاتها مع الولايات المتحدة لتفعل ذلك. ولم تغيّر تحالفاتها حتى. لقد قامت ببساطة بتنويع خياراتها. وهذا التنويع يضر بواشنطن أكثر من الانشقاق، لأنه يثبت للعالم أن الولاء للولايات المتحدة لم يعد حصريًا — بل عرض يُقارَن بعروض أخرى.
الصين لا تسوّق نفسها كمخلّص أخلاقي. ولا تحتاج لذلك. رسالتها واضحة:
لن نفرض عليك عقوبات.
لن نلقي عليك محاضرات.
لن نمول معارضيك.
سنساعدك على موازنة الأميركيين — بهدوء، وكفاءة، ومدرج طائرات.
بالنسبة لمصر، جاء هذا العرض في الوقت المناسب تمامًا. وبالنسبة للولايات المتحدة، فهو سيناريو كابوسي: عالم لا تحتاج فيه الدول إلى الانشقاق كي تبتعد.
هذه ليست إعادة إحياء للحرب الباردة. بل شيء أسوأ: انهيار بطيء لمجموعة من العملاء الموثوقين سابقًا، وهم يدركون أن وجود قوتين جويتين، أحيانًا، أفضل من واحدة.
القسم الرابع: رفح، الأنقاض، والعقد العربي المحطّم
هناك خط أحمر يمتد من غزة إلى القاهرة. ليس استراتيجيًا، بل حشويًا.
بينما كانت القنابل الإسرائيلية تسوّي رفح بالأرض، مستهدفة مخيمات اللاجئين وقاطعة طريقها عبر قوافل الإغاثة، كانت مصر تراقب بقلق متزايد. لا لأنّها فوجئت — فمصر شهدت كل نسخة من نسخ الوحشية الإسرائيلية — بل لأنّها، هذه المرة، لم تستطع ضمان استمرار الصمت.
ما يُعرف بـ”العقد العربي” — حيث تطبّع الأنظمة مع تل أبيب بينما يغلي الشارع — كان دائمًا توازنًا هشًا. وفي مصر، ظلّ يتأرجح على حافة الانهيار لسنوات، محمولًا على دعم الخبز، والاعتقالات الجماعية، ولا مبالاة مُدارة بعناية. لكن رفح كانت مختلفة.
رفح ليست ساحة معركة مجرّدة. إنها مدينة تتقاسم مصر حدودها. إنها الباب الخلفي الذي يتسلّل منه بعض المساعدات، وفي بعض الأحيان، يهرب منه الناس. وهي أيضًا خط التماس مع تواطؤ القاهرة المباشر. وعندما انتشرت لقطات الأطفال المحترقين والخيام الملطخة بالدماء في فضاء الإنترنت العربي، بات هذا التواطؤ لا يُحتمل — لا أخلاقيًا فقط، بل سياسيًا أيضًا.
الرئيس عبد الفتاح السيسي يعلم ذلك. هو ليس شعبويًا، لكنه ناجٍ بطبعه. ونظامه، الذي يئن تحت وطأة التضخم، والديون الخارجية، وانعدام الأمن الغذائي، لا يستطيع أن يبدو كمتعهد ثانوي للإبادة الإسرائيلية. استضافة الطائرات الصينية ليست مجرد استعراض استراتيجي — بل صمام تنفيس داخلي. إنه فك رمزي للارتباط بمحور تل أبيب – واشنطن دون قطع حبل المساعدات.
السماح لطائرات جيش التحرير الشعبي بالتحليق من الأراضي المصرية يرسل إشارة، ليس فقط إلى إسرائيل، بل إلى المصريين: “لسنا أتباع أحد. بعد الآن.”
بطبيعة الحال، ما زالت القاهرة تحتفظ بسلام رسمي مع إسرائيل. وما زالت تعتمد على المساعدات العسكرية الأميركية. لكن الخط الفاصل بين التعاون والتبعية رقيق، وفي الشارع العربي، الإدراك هو السياسة. ليس على السيسي أن يقطع العلاقات مع إسرائيل — يكفي أن يُقنع عددًا كافيًا من المصريين بأنه لا يشارك مجانًا في قتل جيرانهم.
هذه المناورة تمنحه تلك السردية. حتى لو كانت سطحية، حتى لو كانت رمزية، فهي تكسر وهم العجز المصري. وذلك له وزنه. في الأنظمة السلطوية، الإدراك هو الأوكسجين. فإذا صدّق الناس أن النظام يتحرّك لمصلحتهم، تقل احتمالات أن يضرموا النيران في الشوارع.
أما لو امتنعت مصر عن الفعل — حتى على مستوى المظاهر — لكانت قد خاطرت بانهيار أخلاقي. ليس بين النخب، بل في الأزقة والأسواق، حيث تختمر السياسة حتى تنفجر.
“نسور الحضارة 2025” هي طريقة مصر في قول: “رأينا ما حدث في رفح. ولن نستمر في التظاهر بالغباء.”
هو تحرّك متأخر، وقاصر. لكنه، في منطقة يحكمها الصمت، يظلّ شيئًا.
القسم الخامس: لا قدّيسين هنا — فقط أيدٍ أقل تلطخًا بالدم
فلنكن واضحين: الصين ليست فاعلًا أخلاقيًا.
قيادتها نظّمت احتجازًا جماعيًا للإيغور في شينجيانغ، وأخمدت المعارضة بوحشية في هونغ كونغ، وبنت دولة مراقبة تجعل كوابيس أورويل تبدو ساذجة. إنها تسجن الشعراء، وتُخفي المنتقدين، وتُصدّر نموذجها السلطوي عبر الألياف البصرية وتقنيات التعرف على الوجه.
لكن الأخلاق ليست عملة الجغرافيا السياسية — النفوذ هو العملة.
وفي شرق أوسط عام 2025، حيث تقوم القوات الإسرائيلية ببثّ الإبادة البطيئة لغزة على الهواء مباشرة، وتردّ المسؤولية الأميركية ببيانات صحفية وشحنات أسلحة، فإن السقف الأخلاقي ليس مرتفعًا.
مصر لا تنفتح على الصين لأنها ترى في بكين فاضلة. بل لأنها ترى فيها طرفًا غير متورّط فعليًا في قتل جيرانها بالجملة. وهذا، في هذه المنطقة، يُعدّ “ضبط نفس”.
القرار الذي تواجهه الأنظمة العربية ليس بين الصواب والخطأ — بل بين الإفلات الأحادي من العقاب، وغموض التعددية القطبية. أحد الخيارين يأتي بالقنابل وحق النقض. الآخر يأتي بالموانئ والإنكار المعقول. لا أحد منهما يجلب العدالة. لكن أحدهما، على الأقل، يتيح بعض المسافة عن كومة الجثث.
انهيار إسرائيل الأخلاقي ليس مجرد مأساة. إنه عبء استراتيجي. ورفض واشنطن التدخل — رفضها فرض العقوبات، أو وقف تصدير الأسلحة، أو حتى إصدار إدانة — جعل من المستحيل على الأنظمة العربية الاستمرار في التظاهر بأن الغرب هو راعٍ خيّر. الصين لا تدّعي أنها خيّرة. وهذا جزء من جاذبيتها.
التعددية القطبية لا تعني وجود خيارات أفضل. إنها تعني وجود خيارات أصلًا.
وعندما يكون الجالسان إلى الطاولة يعرضان عليك خيارًا بين التآكل البطيء أو الإبادة الفورية، فإنك تختار من يمنحك وقتًا كافيًا لتلتقط أنفاسك وتخطط لحركتك التالية.
وبالنسبة لمصر، كانت هذه الحركة بسيطة: دع الصينيين يحلّقون.
لن يغسل ذلك خطايا بكين. ولن يمحو جرائم إسرائيل. لكنه قد يضيف قليلًا من الاحتكاك إلى الآلة، ما قد يبطئ الجريمة التالية. ففي غياب العدالة، يصبح التوازن آخر خطوط الدفاع أمام المقهورين.
وفي اللحظة الراهنة، حتى فعل رمزي لتحقيق التوازن — كهبوط طائرة صينية في القاهرة — يفوق كل ما تجرّأ عليه الآخرون.
القسم السادس: الانحراف الكندي — بين إمبراطوريتين في حالة تراجع
في مارس 2024، وقع حدث كان التفكير فيه ضربًا من المستحيل قبل خمس سنوات فقط: أعلنت كندا تعليق صادرات الأسلحة إلى إسرائيل.
لا عبارات مراوغة. لا “مراجعة جارية”. لا استثناءات خفية. للمرة الأولى، فعلت أوتاوا شيئًا فعليًا — تحدّت السلوك الإسرائيلي بشكل مباشر، وبالضرورة، تحدّت أيضًا الآلة الدبلوماسية الأميركية التي ترعاه.
كان هذا التصرف ضئيلًا من حيث الوزن العالمي، لكنه ضخم الرمزية. كانت هذه المرة الأولى منذ اتفاقيات كامب ديفيد التي ينكسر فيها إجماع حلف “العيون الخمس” بدولة تقطع مع إسرائيل خلال حملة عسكرية نشطة. وجاء هذا تحت قيادة رئيس وزراء كندي أمضى معظم فترة حكمه يحاول أن يكون صدى تقدميًا للسياسة الخارجية الأميركية.
فلماذا الآن؟
الإجابة، ببساطة: ترامب.
مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، دخلت السياسة الخارجية الأميركية مرحلة جديدة من التقلب والانتهازية. تنهار مصداقية الولايات المتحدة. تتحلل التحالفات. المؤسسات التي كانت تمنح أوتاوا مظلة يمكن التنبؤ بها — كالناتو، والأمم المتحدة، ومجموعة السبع — أصبحت إما مشلولة أو هامشية.
كندا لم تعد مجرد ملحق للقوة الأميركية. إنها الآن قمر صناعي متردد، يتأرجح بين جاذبيتين: هيمنة واشنطن المتصدعة، وصعود بكين الهادئ والمستمر.
الحظر الذي فرضه ترودو لم يكن مجرّد لفتة إنسانية — بل كان إشارة إلى أن كندا لم تعد تثق بقدرة الولايات المتحدة على القيادة المسؤولة، على الأقل فيما يخص إسرائيل. لكن هناك مأزق: فبينما باتت كندا مستعدة لقطع السلاح عن تل أبيب، لا تزال غير قادرة سياسيًا على الاعتراف بالصين إلا كتهديد.
هواوي. قضيتا مايكلَين. مزاعم التدخل في الانتخابات. كل هذه المحطات سمّمت النقاش العام، وجعلت من الحياد الاستراتيجي أمرًا يصعب تسويقه داخليًا. وهكذا، علقت كندا — تنتقد إسرائيل، لكنها غير قادرة على الانخراط بوضوح وثقة مع عالم متعدد الأقطاب.
خطوة مصر — استضافة طائرات صينية — كانت صريحة. خطوة كندا ليست كذلك.
وحتى تطوّر أوتاوا استراتيجية للتعامل مع القوتين العظميين بشروطها الخاصة، ستظل تتأرجح بين لحظات من المبدأ، وشلل استراتيجي. كان حظر السلاح على إسرائيل قرارًا تاريخيًا. لكن التاريخ لن ينتظر كندا لتقرر من تريد أن تكون.
وإذا كان مستقبل السياسة الخارجية يتمثل في واقعية باردة ومتعددة الأقطاب، فعلى كندا أن تكفّ عن التصرّف وكأنها لا تزال تعيش في عام 1995 — وأن تعترف بأن أميركا، هي نفسها، باتت خطرًا وجوديًا عليها.
القسم السابع: عامل قناة السويس — عنق الزجاجة لم يعد حكرًا على الغرب
إذا كانت الجغرافيا قدرًا، فإن مصر دائمًا كانت عند مفترق الإمبراطوريات. فقناة السويس ليست مجرد معجزة هندسية من القرن التاسع عشر — إنها شريان حي يمر عبره ما يقارب 12٪ من تجارة العالم. النفط، والقمح، والأسلحة، والإلكترونيات — كل شيء يعبر من هذا العنق الذي يفصل القارات.
وعلى مدى أجيال، تعامل الغرب — وخاصة الولايات المتحدة وحلفاؤها في الناتو — مع السويس كأمر مفروغ منه: ممر موثوق تحميه الشراكة المصرية، والمساعدات الأميركية، والتوقعات الاستراتيجية المستقرة. لكن “نسور الحضارة 2025” غيّرت هذه المعادلة. لأن الطائرات العسكرية الصينية باتت تعمل الآن على مقربة من أحد أهم البُنى التحتية في العالم.
ليست هذه هلوسات أمنية. بل رياضيات استراتيجية.
وجود جيش التحرير الشعبي في مصر لا يعني أن الصين تسيطر على القناة. لكنه يعني أنها باتت تملك موطئ قدم قتاليًا على مسافة ضربة واحدة من عنق الزجاجة الذي ظل، حتى الآن، خاضعًا ضمنيًا لإدارة أمنية غربية. ليس من الصعب تخيّل سيناريو قريب تُوظّف فيه الصين هذا التموضع دبلوماسيًا، أو اقتصاديًا، أو — إذا لزم الأمر — عسكريًا.
كما أن ذلك يفتح الباب أمام وصول بحري أوسع. فقد تكون هذه المناورة تمهيدًا لزيارات بحرية مستقبلية، أو طلعات استطلاع، أو صفقات موانئ مزدوجة الاستخدام على امتداد ممر البحر الأحمر. ومع تصاعد هجمات الحوثيين التي تُربك حركة الملاحة، وعودة القرصنة بهدوء قبالة السواحل الصومالية، بات التعاون المصري أكثر قيمة من أي وقت مضى — وبكين تدرك ذلك جيدًا.
ولنكن واقعيين: لم تعد الولايات المتحدة قادرة على افتراض أنها تملك حق الوصول أو الولاء التلقائي من “حلفائها” المفترضين. مصر لا تنشق. لكنها تنوّع خياراتها. وفي زمن حروب الاختناقات، يصبح هذا التنويع سلاحًا بحد ذاته.
الغرب لم يكن يملك القناة يومًا. لكنه، ولأول مرة منذ عقود، قد يُجبر على التفاوض بشأن الوصول إليها — مع قوة صاعدة تهبط طائراتها الآن على مسافة قريبة من المتوسط.
في عالم تحوّلت فيه ممرات الشحن إلى شرايين سيادية، فإن القدرة على المناورة فوق عنق زجاجة مثل السويس ليست مجرد رمزية — إنها سيادة فعلية.
القسم الثامن: المراقبة السعودية–الإماراتية — تحوّط صامت وابتسامات استراتيجية
لم تقل الرياض شيئًا. وأبو ظبي اكتفت بابتسامة دبلوماسية. لكن لا مجال للخطأ — “نسور الحضارة 2025” حظيت بكامل انتباه الخليج.
الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية لن تستضيفا طائرات مقاتلة صينية غدًا. فبنيتهما الدفاعية مرتبطة بعمق بالبُنية الأميركية، ونُخبُهما مندمجة حتى النخاع في منظومات الثروة الدولارية، بما لا يسمح بتحدٍّ مفتوح. لكنهما لا تحتاجان لذلك. لأن عملية التحوّط قد بدأت فعلًا.
الإمارات، على وجه الخصوص، فتحت قنوات مع بكين بهدوء على مدى سنوات — عبر صفقات موانئ، وبنى تحتية للاتصالات، وتعاون أمني مغلف بعبارات “التنمية الاقتصادية”. أما السعودية، التي كانت ذات يوم حجر الزاوية في دبلوماسية النفط الأميركية، فهي اليوم تُغازل في الوقت ذاته التجارة بالـ”بترو-يوان”، وصفقات السلاح الروسية، ومواءمة محتملة مع “بريكس”.
هذه التحركات لا تعكس عداءً لأميركا. بل تعكس واقعية ما بعد أميركا.
التمرين الجوي بين الصين ومصر ليس مجرد نشاط ثنائي؛ بل هو رسالة. يخبر ممالك الخليج أن التعامل مع الصين لم يعد محرّمًا. يمكن فعله علنًا. يمكن فعله عسكريًا. ولن تتمكن أميركا — أو لن تجرؤ — على منعه.
لهذا السبب، تتجاوز أهمية المناورة حدود مصر. فهي تُطبّع سلوكًا كان يُعتبر سابقًا خارجًا عن الإجماع. إنها تُخفّض كلفة الانحراف الاستراتيجي. وفي منطقة لا يريد أحد أن يكون أول من يقفز — لكن لا أحد يريد أن يكون الأخير — فتحت مصر الباب الذي كان الجميع يدورون حوله بصمت.
السعوديون والإماراتيون لا ينشقّون. ليس بعد. لكنهم يراقبون. عن كثب. ومع كل إقلاع لطائرة صينية من أرض مصرية، تصبح فكرة “التحوّل” أقل تجديفًا، وأكثر حتمية.
القسم التاسع: روسيا، سوريا، والطبقة الأوراسية التي تختبئ تحت السطح
كانت سوريا، في وقتٍ ما، مركز ارتكاز عودة روسيا العسكرية إلى الشرق الأوسط. لكن هذا الفصل انتهى فجأة.
فمع سقوط بشار الأسد أواخر عام 2024، أُعيد ضبط رقعة الشطرنج الإقليمية. لم تعد دمشق تحت حكم رجل قوي حليف للكرملين، بل تحت إدارة انتقالية هشّة تحاول التوفيق بين الميليشيات، والفصائل الكردية، وإرث عقد من الدماء. الأسد فرّ إلى روسيا. وقصوره اليوم تحتضن بيروقراطيين ومراقبين من الأمم المتحدة.
لكن الفراغ الذي تركه لم يجمّد اللعبة — بل فتحها على اتساعها.
ورغم انشغالها العميق بأوكرانيا، لا تزال روسيا تحتفظ بموطئ قدم في غرب سوريا. قاعدتها البحرية في طرطوس، وعملياتها الجوية في حميميم، لا تزال نشطة، ومحمية، وتحمل رمزية لا غنى عنها. أما الصين، فلم تُرسل قوات أو طائرات، لكنها تراقب — بدقة. إعادة إعمار سوريا بعد الأسد باتت لوحة بيضاء جاهزة لرسم النفوذ، وكلا العاصمتين — موسكو وبكين — تتحركان بهدوء لحجز مواقع لهما.
الصيغة بسيطة: روسيا تأتي ببُنى تحتية مجرّبة في ميادين الحرب، وشبكات موالية باقية. الصين تأتي برأس المال، والمهندسين، والوزن الدبلوماسي داخل الأمم المتحدة. والحكومة الانتقالية السورية، المتعطشة للاستثمار والشرعية، قد ترحّب بكليهما — طوعًا أو قسرًا.
هذه هي الطبقة الأوراسية الجديدة: لا تُبنى على أيديولوجيا، بل على الاستخراج والتمركز. فمع تراجع الحضور الأميركي، وتريّث الخليج، تشرع روسيا والصين في نحت أدوار جديدة لهما — ليس فقط في سوريا، بل في مستقبل المنطقة بعد واشنطن.
وهنا يجب فهم المناورة الصينية–المصرية في سياقها الكامل. فهي ليست تمرينًا ثنائيًا معزولًا. بل جزء من نسيج أوسع، حيث القوى الأوراسية تؤسس مناطق نفوذ متقاطعة، لا عبر المعاهدات، بل عبر الإيقاع — من يتحرك أولًا، من يبني أسرع، ومن يملأ الفراغ.
الأسد ذهب. لكن الصراع على سوريا — وعلى روح المنطقة — بالكاد بدأ.
القسم العاشر: التفوّق الجوي الإسرائيلي — لم يعد أمرًا مفروغًا منه
طوال ما يقرب من خمسة عقود، تصرّفت إسرائيل على أساس أنّ التفوّق الجوي الإقليمي حقّ مكتسب. ليس فقط من حيث القدرة التقنية — بل من حيث الإدراك. كانت تخوض حروبها بشروطها، وبوتيرتها، دون أي خشية حقيقية من أن يتمكن أي طرف إقليمي من تحدي سيادتها في السماء.
هذا العصر انتهى.
لن تغيّر “نسور الحضارة 2025” ميزان المعادلات العسكرية لصالح مصر أو الصين بين ليلة وضحاها. فلا تزال إسرائيل تمتلك طائرات F-35 متقدّمة، ومنظومات “القبة الحديدية”، وبنية استخباراتية شديدة التداخل مع المنظومة الأميركية. لكن هذه المناورة تُحدث ثقبًا في شيء ربما يكون أكثر أهمية من العتاد: في افتراض الإفلات من المحاسبة.
فعندما تهبط طائرة مقاتلة صينية في مصر، فهي لا تهدد تل أبيب بشكل مباشر — لكنها تتحدى الافتراض بأن إسرائيل وحدها من يضع شروط الحرب الجوية في الإقليم. الرسالة واضحة: أنتم لم تعودوا الطرف الوحيد الذي يُحسب حسابه.
وهذا التغيّر ليس نظريًا. ففي تل أبيب، بدأ مخططو الجيش الإسرائيلي يُدرجون في حساباتهم سيناريوهات تتضمن وجود قوى غير منحازة، تنشط على أطراف مناطقهم العازلة التقليدية. الصين لا تبني محورًا معاديًا لإسرائيل، لكن وجودها يفرض على تل أبيب إعادة الحسابات. ماذا سيحدث لو أصبحت مصر تستضيف مستقبلاً ليس فقط مناورات، بل أيضًا أنظمة دفاع جوي غير متوافقة مع النظم الأميركية؟ أو — ما هو أسوأ — مصممة لرصد أو صدّ الاختراقات الإسرائيلية؟
الميزة النفسية التي تمتعت بها إسرائيل منذ عام 1973 — حرية الضربات الاستباقية دون خشية من ردّ سيادي — باتت تحت الضغط. مصر لا تحتاج إلى التكافؤ. يكفيها وجود بديل موثوق.
وإذا تضمّن هذا البديل دعمًا استخباراتيًا واستطلاعًا صينيًا، أو تنسيقًا لحظيًا، أو حتى أنظمة إنذار سلبي، فإن خطط المجال الجوي الإسرائيلي ستدخل دائرة التحدي الضمني — حتى دون إطلاق صاروخ واحد.
حتى الآن، ما زالت المناورة رمزية. لكن الهيمنة الإسرائيلية كانت دائمًا قائمة على الرمزية. من حرب الأيام الستة إلى حملات غزة، استمدت إسرائيل ردعها من الخوف، لا من الدفاع. وهذا الردع يتآكل. وعندما يتغير الإدراك، تتغيّر العقيدة.
الجيش الإسرائيلي لا يحتاج إلى أن يخسر حربًا كي يخسر تفوّقه. يكفي أن تتوقف المنطقة عن الخوف من خوضها.
القسم الحادي عشر: الفراغ الأميركي — ماذا يحدث عندما تعجز القوة عن الإكراه؟
على مدى عقود، فرضت الولايات المتحدة الانضباط في الشرق الأوسط بمزيج من الجَزَر، والعصا، والوهم المدروس بعناية. فعندما كانت مصر تبتعد كثيرًا عن مدار واشنطن، كانت تُعاقب بالعزلة الدبلوماسية أو التهديد بقطع المساعدات العسكرية السنوية البالغة 1.3 مليار دولار. كان النظام يعمل لأن الإكراه كان يعمل. كانت واشنطن تُهدد، وكانت القاهرة ترضخ.
تلك المعادلة باتت معطوبة.
في ولاية ترامب الثانية، أصبحت السياسة الخارجية الأميركية أكثر فوضوية، وأكثر شخصية، وأقل ترابطًا من أي وقت مضى. ترامب لا يهتم بالحفاظ على “القوة الناعمة”. لا يقرأ التقارير الاستراتيجية. ولا يعتقد أصلًا أن مصر تستحق المال الأميركي بينما تفتح أبوابها للصين. وهذا ما يجعل أدوات السيطرة القديمة — كصفقات السلاح، والمساعدات، والضغط الدبلوماسي — عديمة الجدوى فعليًا.
مصر تفهم ذلك. والصين تفهمه أيضًا.
“نسور الحضارة 2025” لم تُطلق رغم تهديدات أميركية — بل أُطلقت لأن الولايات المتحدة لم تعد تملك تهديدات قابلة للتصديق. عقوبات؟ ستتجه مصر أكثر نحو محور بريكس. ردود فعل دبلوماسية؟ القاهرة اعتادت ذلك منذ أيام الربيع العربي. تعليق المساعدات؟ لدى الصين وروسيا والخليج الأموال — وأسئلتهم أقل.
ما نشهده ليس تمردًا. بل تكيفًا عقلانيًا مع إمبراطورية نسيت كيف تدير عملاءها.
قد تصدر “سنتكوم” بيانات شديدة اللهجة. وقد تهمس وزارة الخارجية للصحفيين “عن خيبة أملها”. لكن لن يكون هناك عواقب حقيقية. فالولايات المتحدة مرهقة، متصدعة، ومشتتة داخليًا إلى حد يمنعها من فرض الشروط في الشرق الأوسط كما كانت تفعل.
وهنا تكمن الفاجعة الصامتة بالنسبة لواشنطن: الولاء لم يعد يُفرض. ولم يعد يُكافأ. وربما الأدهى — لم يعد يُتوقَّع.
الفراغ ليس أخلاقيًا فقط. بل استراتيجي. لا تزال هناك قوة أميركية — لكن القدرة على انتزاع الطاعة من دون كلفة انتهت.
وحين يتوقف الإكراه عن العمل، تصبح الهيمنة مجرّد حنين إلى الماضي.
القسم الثاني عشر: الخاتمة — المحرك يزمجر بأعلى صوته قبل أن ينكسر الصمت
قد لا يوقف زئير محرك صيني فوق التراب المصري قنبلةً إسرائيلية واحدة. لن يُعيد من قُتل في أنقاض غزة، ولن يمحو عقودًا من التواطؤ الأميركي. لكنه مع ذلك يحمل أهمية — لأنه يكسر الصمت الذي جعل كل تلك الفظائع ممكنة من الأساس.
لسنوات، ظلّ الشرق الأوسط يعمل ضمن معمار أمني صارم: إسرائيل تقرّر، أميركا تموّل، والعالم العربي يبتلع. هذا النموذج بدأ يتصدّع. لا بشكل مفاجئ. لا عبر حرب. بل عبر أفعال هادئة ومدروسة من المقاومة — مثل “نسور الحضارة 2025” — أفعال تُذكّر المنطقة بأن التوازن ليس خيانة، وأن الاصطفاف ليس قدرًا.
لم تنضم مصر إلى محور جديد. ولم تعلن الصين عن نظام عالمي بديل. لكنهما فعلا ما هو أكثر زعزعة: أظهرا أن هناك طرقًا أخرى للطيران.
في سوريا ما بعد الأسد، وفي خليج منقسم، وفي فلسطين تحت الاحتلال، وفي حكومة كندية فرضت حظرًا على إسرائيل لأول مرة، يتكرّر نفس النمط: التعددية القطبية ليست في طريقها — بل وصلت.
وهي لا تكترث لما تظنّه واشنطن.
النظام القديم لا ينهار عبر النار. بل يتآكل تحت التراب، في المناورات، وفي الانحرافات التي لا تُعلن عن نفسها.
فليزأر المحرك.
التاريخ قد لا يتذكّر الصوت. لكنه سيتذكّر ما جعله مسموعًا أخيرًا.
You can check out the original English version of this article “Eagles in the Sand: How the China–Egypt Air Force Drill Shattered the Illusion of Israeli Hegemony” on the main Prime Rogue Inc website.