١. مقدمة: الحصار هو الاستراتيجية
غزة ليست مجرد مكان. في عام ٢٠٢٥، أصبحت حالة. شذوذٌ مادي ونفسي وقانوني—دائرة صدمة بمساحة ١٤٠ ميلاً مربعاً حيث لا يمر الزمن، بل يُعاد تدويره. للعين المجردة، تبدو شريطاً متوسطياً كثيف السكان. أما للأقمار الصناعية، فهي سجن بلا سقف. وللمهندسين المعماريين لمصيرها، فإن غزة مشكلة لا حلّ لها، ولا يُسمح لها بحلّ نفسها.
بعد سبعة عشر عاماً من حصار غير منقطع فرضته إسرائيل وتنفذه، علناً، مصر، أصبحت غزة صمّام ضغط لكل فشل دبلوماسي إقليمي، ولكل تبسيط غربي مريح لـ”الأمن”، ولكل ذريعة هيكلية تُستخدم لإنكار الفلسطينيين صفتهم ككائنات قانونية كاملة. لا يتم تجويع غزة—بل تتم إدارتها. وربما هذا هو الأمر الأكثر خبثاً.
تدّعي إسرائيل أن الحصار ضروري لمنع وصول الأسلحة والمواد إلى حماس. ومصر تردد الرواية ذاتها بينما توسّع من دولتها البوليسية. أما العالم، مع فقدانه الحديث للذاكرة وإرهاقه الأخلاقي الخوارزمي، فقد مضى قُدماً بمعظمه. حتى الحرب القادمة. حتى التسوية التالية. حتى تظهر صورة جديدة لأب يبحث عن طفله تحت الأنقاض، لتقاطع موجزاً، أو ضميراً، أو ناطقاً باسم حكومة.
لكن غزة ليست متجمّدة في الزمن. الحصار يتطوّر. لم يعد مجرد طوق من الإسمنت والدبابات. بل أصبح رقمياً: طائرات دون طيّار تحلّق لأسابيع، شبكات الهواتف مراقَبة، قواعد بيانات لكل وجه، لكل حركة. وهو اقتصادي: تبعية مصنّعة تحوّل المساعدات إلى مخدّر. وهو ديمغرافي: أغلبية شبابية محجوزة عن المستقبل. وهو سياسي: تجربة مستمرة تُظهر كيف تتآكل المعايير الدولية في الزمن الحقيقي.
هذا التقرير ليس مناشدةً للعاطفة الإنسانية. إنه تشريح قاسٍ لحصار غزة كعقيدة استراتيجية—تكشف بقدر ما تكشف عن نفاق النظام العالمي كما تكشف عن نفاق إسرائيل. إنه عن تصدير الصمت، وتوكيل التواطؤ، وكيف أصبح الحصار مخططاً يُحتذى، لا خللاً يُصحح.
هذه ليست حرباً. إنها صيانة.
٢. السياق التاريخي: نشأة الحصار
لم يبدأ حصار غزة بالصواريخ. بل بدأ بصندوق الاقتراع—وبردّ على نتائجه كان أعلى صوتاً من أي قصف مدفعي: السيادة الفلسطينية، إن وُجدت، فهي مشروطة، قابلة للإلغاء، وخاضعة لمراجعة دائمة.
خط زمني يوضّح أبرز محطات الحصار بين ٢٠٠٥ و٢٠٢٥:
انسحاب إسرائيل (٢٠٠٥)، فوز حماس في الانتخابات (٢٠٠٦)، تنفيذ الحصار (٢٠٠٧)، كشف “دراسة السعرات” (٢٠١٢)، تحقيق المحكمة الجنائية الدولية (٢٠٢١)، وإتمام ١٧ عاماً من الحصار (٢٠٢٥).
تظليل باللون الأحمر يغطي فترة الحصار المستمر مع تعليق: “حلقة صدمة على مساحة ١٤٠ ميلاً مربعاً حيث لا يمر الزمن بل يُعاد تدويره.”
في يناير ٢٠٠٦، فازت حركة حماس—وهي حركة سياسية وتنظيم شبه عسكري مصنّف كـ”إرهابي” من قبل إسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي—بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني. لم يكن الفوز مفاجئاً ولا انقلاباً؛ فقد صادق عليه مراقبون دوليون، وكان انعكاساً لغضب واسع من فساد السلطة الفلسطينية الخاضعة لهيمنة فتح. لكن في غضون أشهر، تحوّل القرار الديمقراطي إلى عبء دولي.
ما تلا ذلك لم يكن استجابة دبلوماسية بل طوقاً جيوسياسياً. إسرائيل، بدعم أميركي وأوروبي، جمّدت تحويل أموال الضرائب للسلطة الفلسطينية. تم قطع المساعدات. وتكثّفت العقوبات. واندلعت صراعات فصائلية تحوّلت إلى صدام مسلح بين فتح وحماس. بحلول منتصف ٢٠٠٧، وبعد اقتتال داخلي دموي، طردت حماس حركة فتح من غزة وتولّت السيطرة الكاملة على القطاع. أغلقت إسرائيل، وتبعتها مصر، حدود القطاع.
وهكذا بدأ الحصار.
رغم تبريره كضرورة أمنية، كان الحصار في حقيقته عقوبة—على الإرادة السياسية لأهل غزة، وعلى فكرة أن بإمكان فصيل مناهض لإسرائيل أن يحكم نفسه. لم يكن الأمر يتعلق بصواريخ حماس فحسب، بل كان يتعلق بتحييد الجغرافيا السياسية برمّتها.
ومنذ ذلك الحين، تمدّد الحصار حتى تحوّل إلى نظام احتواء شامل. تتحكم إسرائيل في المجال الجوي لغزة، ومياهها الإقليمية، وتردداتها الكهرومغناطيسية، وسجل سكانها، والوصول إلى أغلب السلع والخدمات. تحدد المواد التي يُسمح بإدخالها (الإسمنت محظور لأنه “ذو استخدام مزدوج”)، والمرضى الذين يمكنهم المغادرة، والأطعمة المسموح بها. حتى الصيد خارج ستة أميال بحرية قد يستدعي إطلاق نار من البحرية. الجدران لا تنتهي عند الحدود—بل تُدفن تحت البيروقراطية والمراقبة والشفرة.
تلعب مصر دورها أيضاً—تتحكم في معبر رفح وفق حساباتها السياسية الخاصة. تخشى انتقال التمرّد إلى سيناء، لكن موقفها تغيّر مؤخراً. ففي أبريل ٢٠٢٥، أجرت مصر مناورات جوية مشتركة مع الصين للمرة الأولى، في إشارة واضحة إلى إعادة تموضع استراتيجي—فالقاهرة تعيد تشكيل تحالفاتها، لكنها ما زالت تُبقي قدمها على عنق غزة الجنوبي. سردية “الأمن” مرنة، تتشكّل وفقاً لمن هو مفيد.
الحجة القانونية للحصار كانت دوماً تستند إلى أن غزة لم تعد “محتلة” منذ انسحاب إسرائيل عسكرياً ومستوطِنياً عام ٢٠٠٥. لكن القانون الدولي ليس بهذا السخاء. بموجب اتفاقيات جنيف، تُعتبر الأرض محتلة إذا احتفظت القوة المحتلّة بـ”التحكم الفعّال”—وبأي مقياس جاد، تظل إسرائيل كذلك. من السماء، من البحر، من الخوارزم.
حتى الحكومة الإسرائيلية لم تعد تتستّر. ففي ٢٠٠٦، صرّح دوف فايسغلاس، مستشار رئيس الوزراء إيهود أولمرت، للصحافة بأن هدف الحصار هو “إبقاء الفلسطينيين على حمية غذائية، دون أن يُتركوا للموت جوعاً.” لم يكن الهدف هو القتل. بل التآكل.
وهنا تكمن فعالية الحصار: الموت عرضي؛ أما السيطرة فدائمة.
٣. الأثر الإنساني: أزمة تتجاوز الحدود
انهيار غزة ليس “أزمة إنسانية” كما توصف الزلازل أو المجاعات. ليست كارثة طبيعية أو خللاً لوجستياً. إنها قرار سياسي—معادلة محسوبة من المعاناة. كارثة يتم ضبط وتيرتها من قبل من يدّعون منعها.
إنفوغرافيك يعرض أبرز الإحصاءات الإنسانية لغزة عام ٢٠٢٥:
٨١٪ من السكان بحاجة لمساعدة إنسانية،
٧٠٪ يعانون من انعدام الأمن الغذائي،
٤٪ فقط من المياه الجوفية صالحة للشرب،
انقطاعات كهرباء يومية بمعدل ١٨ ساعة،
٨٠٪ من الأطفال تظهر عليهم علامات الصدمة،
٤٦٪ معدل البطالة العام.
تعليق: “توازن معاناة مُعاير بدقة.”
بكل معيار قابل للقياس، تُعد غزة في عام ٢٠٢٥ منطقة كارثة مدنية مستمرة. وفقاً لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (OCHA)، فإن ٨١٪ من سكان غزة يحتاجون إلى مساعدات إنسانية. أكثر من ١.٦ مليون شخص، أو حوالي ٧٠٪ من السكان، يعانون من انعدام الأمن الغذائي. المياه النظيفة نادرة—٤٪ فقط من المياه الجوفية صالحة للشرب، وغالباً ما تكون ملوثة. الكهرباء تنقطع بمعدل ١٨ ساعة يومياً. المستشفيات، المُنهكة أصلاً، كثيراً ما توقف العمليات بسبب انقطاع الكهرباء أو نقص المواد المخدّرة.
لكن الإحصاءات سلاحٌ غير حاد عند الحديث عن غزة. عنف هذه الأزمة لا يُلتقط دائماً بالكاميرا. هو طفل فقد سمعه بعد غارة ولا وجود لاختصاصي أنف وأذن وحنجرة لأن أحداً لم يُسمح له بالخروج للتدريب منذ عشر سنوات. هو مريض سرطان ينتظر عند معبر لن يُفتح. هو أب يغلي ماء البحر لأن شحنة الكلور الأخيرة لم تُدرج في قائمة الاستيراد المسموح بها.
هذا ما تُصنّفه منظومة التنسيق الإسرائيلية على أنه “كيان معادٍ”—الشرط البشري.
كثيرون شبّهوا غزة بأكبر سجن مفتوح في العالم. هذا التشبيه يُجامل السجون. فالمساجين يحصلون على ثلاث وجبات، كهرباء دائمة، ورعاية صحية مضمونة. غزة تحصل على حصص سعرات حرارية مخططة من ضباط عسكريين. حرفياً.
في عام ٢٠١٢، أكدت وثائق محكمة إسرائيلية أن الحكومة أجرت دراسة سرية لتحديد الحد الأدنى من السعرات التي تضمن تجنّب سوء التغذية في غزة—٢٢٧٩ سعرة حرارية يومياً للفرد. ليس للحفاظ على الحياة. بل لتجنّب فقدانها إحصائياً. لم تُنفذ الخطة بالكامل، لكنها تكشف عن منطق ما زال قائماً: البقاء دون كرامة، الحركة دون حرية، الوجود دون سيادة.
وليس البُعد المادي وحده ما انهار. الأثر النفسي ساحق. في تقرير عام ٢٠٢٤، وجد برنامج الصحة النفسية في غزة أن أكثر من ٨٠٪ من الأطفال يُظهرون أعراض قلق أو اكتئاب ناتج عن الصدمة. كثيرون لم يغادروا القطاع قط. معظمهم لم يعرف ليلاً دون طائرات دون طيار. أحلامهم، حين ينامون، ليست عن الحرية—بل عن الصمت.
التعليم، الذي كان دوماً أحد أعمدة الصمود الفلسطيني، بدأ يتصدّع. نسبة الحضور المدرسي ما زالت مرتفعة نسبياً، دليل على إرادة المجتمع. لكن الموارد تتلاشى. مدارس الأونروا تعمل بنظام ثلاث ورديات. الكتب الدراسية قديمة أو مفقودة. المعلمون بلا رواتب. المعرفة تستمر لا بفضل النظام، بل على الرغم منه.
القطاع الصحي يعكس هذا الانهيار. التحويلات الطبية للمستشفيات الخارجية مقيّدة بشدة. مرضى يموتون وهم ينتظرون تصاريح عبور من إسرائيل أو مصر. النظام الصحي نفسه عبارة عن شظايا مؤسسات منهارة: أطباء مُجهدون، أدوية منتهية الصلاحية، أجهزة غسيل كلوي مركّبة من قطع سيارات. خلال اشتباكات ٢٠٢٤، عالجت بعض المستشفيات مصابين تحت ضوء مصابيح كيروسين وباستخدام شاش مخزّن منذ ما قبل ٢٠٠٨. ليست هذه “نواقص”—بل شروط حصار.
أما جائحة كورونا فتركت ندوباً عميقة لم تُشفَ بعد. لم يكن في غزة أجهزة تنفس حين وصل الفيروس، ومركز فحص PCR وحيد كان يعمل. تأخرت اللقاحات لأشهر بسبب السياسات الحدودية، وازدهرت الشائعات في فراغ المعلومات. الآن، تتفشى العدوى التنفسية بين الأطفال، وهم الأكثر ضعفاً في الملاجئ المزدحمة، بلا كهرباء ولا تنقية هواء.
الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، عشرات المنظمات غير الحكومية—جميعهم يعلمون. يصدرون تقارير، يعقدون اجتماعات طارئة، يخصصون تمويلاً. لكن تدخلاتهم، مهما كانت نواياها صادقة، تبقى سطحية. لا يمكنك إصلاح هيكل صُمّم للفشل. لا يمكن إنهاء الحصار بجداول بيانات.
أزمة غزة الإنسانية ليست عرضاً جانبياً للحرب. إنها أداة قهر بنيوية. تُمارَس من خلال الكهرباء، والمعابر، والمعاملات الورقية. هدفها ليس فقط كسر إرادة المقاومة، بل تآكل القدرة على تخيّل بديل.
المسألة ليست في انتهاك حقوق الإنسان—بل في منظومة دولية بأكملها تقبل بمحوها البطيء، ما دام يجري خارج الكادر، عبوراً مؤجلاً، شحنة مرفوضة، تصريحاً مرفوضاً.
هذه هي الأزمة. وهي تعمل كما خُطّط له
٤. المراقبة والسيطرة: البانوبتيكون الرقمي
قطاع غزة ليس محاصراً بالجدران والدبابات فقط—بل مُرمّز، مُراقَب، مُفهرَس حتى في أدق بياناته. إذا كان الحصار هو “العتاد” لمنظومة السيطرة، فإن المراقبة هي “البرمجيات الثابتة”. وفي عام ٢٠٢٥، هذا النظام لا يُطفأ أبداً.
خط زمني يعرض أبرز محطات الحصار من ٢٠٠٥ حتى ٢٠٢٥، كما في القسم السابق، مع التظليل الأحمر نفسه وتعليق: “حلقة صدمة على مساحة ١٤٠ ميلاً مربعاً حيث لا يمر الزمن بل يُعاد تدويره.”
منظومة المراقبة الإسرائيلية في غزة قد تكون التجسيد الأوضح لمفهوم “الرقابة الشاملة” في ساحات القتال الحديثة. من الطائرات دون طيار إلى السجلات البيومترية، ومن أنظمة التعرف على الوجوه المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى برامج التجسس المتوغلة في الهواتف والشبكات—كل فلسطيني في غزة يعيش تحت نظام من الشك الخوارزمي الدائم.
يبدأ الأمر من السماء. طائرات دون طيار، مسلحة وغير مسلحة، بعضها بقيادة بشرية وبعضها شبه ذاتي التشغيل، تحلّق باستمرار فوق القطاع. سكان غزة يطلقون عليها اسم “الزنانة”—ليس فقط لصوتها، بل لتأثيرها النفسي. الزنانة لا تغادر. إنها ليست مجرد آلة، بل مزاجٌ دائم. يرسمها الأطفال بأقلام الشمع، ويهمس بها الكبار على الأسطح.
كل مكالمة هاتفية، كل رسالة، كل دخول إلى الإنترنت يمرّ عبر شبكة اعتراض إسرائيلية. الاتصالات تُراقب، وأحياناً تُحرّف. في ٢٠٢٤، وثّقت منظمة العفو الدولية اختراقات من نوع “بيغاسوس” استهدفت منظمات غير حكومية وصحفيين في غزة. الهدف ليس جمع معلومات فقط—بل تقويض الثقة. إذا كان كل شيء مُراقب، فلا أحد يتحدث بحرية.
سجل السكان في غزة—من يحق له العيش أو العمل أو السفر—ما زال تحت سيطرة إسرائيل. الهوية بحد ذاتها تحوّلت إلى امتياز مشروط. إذا لم تكن في السجل، فأنت غير موجود. وإذا وقعت ضحية لتصنيف خوارزمي خاطئ، تصبح هدفاً. تصاريح التنقل تُرفض ليس عبر إجراءات قانونية، بل عبر خوارزميات غامضة: ملف ظلّ يقرر إن كان بإمكانك تلقي علاج للسرطان، أو السفر للدراسة، أو لمّ شمل العائلة.
أنظمة التعرف على الوجوه تُستخدم عند المعابر الحدودية وبعض المناطق المحاذية. في ٢٠٢٣، كشفت وثائق مسرّبة من وزارة الدفاع الإسرائيلية عن مشروع لتوسيع برامج ذكاء اصطناعي تتكامل مع الصور الجوية وأنظمة “تنبؤ بنمط الحياة”. اسم البرنامج؟ “بلو دوم أناليتيكس”—تسمية مطهّرة تُخفي رقابة شاملة خلف ستار “منع النيران الصديقة”.
لكن الأمر لا يقتصر على المراقبة. هذه حرب استباقية.
ليست سيطرة تقليدية عبر الاحتلال المادي، بل سيطرة عن بُعد: إخضاع دون وجود مادي. غزة لا تُحتل بالجنود—بل بالشيفرات، بالكاميرات، بالأقمار الصناعية، بشجرة اتخاذ القرار.
وما يجعل هذا أكثر رعباً هو قابليته للتصدير. يتم بالفعل تسويق “نموذج غزة”. شركات الأمن السيبراني الإسرائيلية توثّق صفقات لتدريب أجهزة أمنية في أمريكا اللاتينية، وجنوب شرق آسيا، وأفريقيا. التقنيات التي اختُبرت في غزة—تحليل السلوك، الاستطلاع الجوي المتصل مباشرة بخط الهجوم—تُسوّق كـ”حلول متكاملة” لمكافحة التمرّد، وضبط الحدود، والسيطرة على الاحتجاجات.
غزة ليست مجرد سجن. إنها نموذج أولي.
ولسكان غزة، هذا النوع من الرقابة الدائمة يخلق نوعاً جديداً من التعب: ليس فقط الخوف من الموت، بل الخوف من أن تُرى. ليس فقط أن تُراقَب، بل أن تُساء قراءتك. أن يخطئك خوارزم في تفسير نيتك. الفرق بين عامل إغاثة وهدف قد يكون نمط حركة مُصنَّف خطأ. الفرق بين تصريح عبور وأمر منع قد يكون رسالة نصية من قريب.
وفي النهاية، كيف تُقاوم ما لا يمكنك رؤيته أو سماعه أو الهرب منه؟ ماذا يعني أن يكون الجدار ليس إسمنتاً، بل بيانات؟
السيطرة لم تعد تحتاج إلى حذاء عسكري—لديها قاعدة بيانات.
٥. الأبعاد القانونية: العقاب الجماعي والقانون الدولي
في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كان من المفترض أن تشكّل اتفاقيات جنيف خطوطاً حمراء لما يمكن أن تفعله الدول—حتى تجاه أعدائها. المدنيون يجب أن يكونوا محميين. الحصارات التي تؤدي إلى تجويع السكان تُعدّ جرائم. وكان من المفترض أن يكون الخط الفاصل بين الأمن والعقوبة مرسوماً بحبر القانون.
في غزة، تمّ محو ذلك الخط—وأُعيد رسمه كسياسة.
بموجب المادة ٣٣ من اتفاقية جنيف الرابعة، يُحظَر العقاب الجماعي بشكل صريح: “لا يجوز معاقبة أي شخص محمي على مخالفة لم يرتكبها شخصياً.” ومع ذلك، فإن الحصار على غزة يُطبق وفق هذا المنطق تماماً. لا يستهدف أفراداً أو أهدافاً عسكرية محددة. بل يستهدف السكان. يُعامَل مليونا إنسان كامتدادات لكيان سياسي لم يصوّت له كثيرون، لا يتحكّمون به، ولا يستطيعون الانفصال عنه.
تدّعي إسرائيل، كما هو متوقّع، أن الحصار هو ممارسة مشروعة للدفاع عن النفس ضد فصيل مسلّح وعدائي—حماس—ارتكب هجمات متكررة ويرفض الاعتراف بـ”حقها في الوجود”. هذا الإطار يسمح لها بتقديم سياساتها على أنها استثناءات ضرورية ومُضطرة إليها. لكن حتى ضمن هذا المنطق، يضع القانون الدولي قيوداً.
التناسب والتمييز هما الركيزتان الأساسيتان في القانون الإنساني الدولي. التناسب يقتضي ألا تكون الأضرار التي تلحق بالمدنيين مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة. والتمييز يوجب الفصل بين المدنيين والمقاتلين في جميع الأوقات. ولكن حين تُحظر سلاسل الإمداد الطبي بالكامل لأن “الأنابيب المطاطية” قد تُستخدم لأغراض مزدوجة، أو يُمنع دخول الأسمدة الزراعية لأنها قد تُحوّل إلى متفجرات، فإن منطق الحرب يتحوّل إلى عبث.
المشكلة ليست فقط في وجود الحصار—بل في كونه أصبح روتينياً. مُبروقرَط، ومُقَنّن دون اسم. في عام ٢٠٢١، رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية الحكم على سياسة “ميزانية السعرات الحرارية” لأنها “لم تُنفّذ فعلياً”. وفي عام ٢٠٢٣، خلص تقرير صادر عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى أن الحصار “قد يرقى إلى عقوبة جماعية”—لكن كلمة “قد” كانت درعاً بقدر ما كانت تشخيصاً.
المؤسسات الدولية تعلم ما يجري. تصدر التقارير، تعقد جلسات طارئة، تغرّد إداناتها. لكن كل هذا بلا أنياب. المحكمة الجنائية الدولية بدأت تحقيقاً في جرائم محتملة بالأراضي الفلسطينية عام ٢٠٢١—لكن إسرائيل، التي لم توقّع على نظام روما، ترفض التعاون. والولايات المتحدة وعدة دول أوروبية تعارض التحقيق، بدعوى أنه “يستهدف إسرائيل بشكل غير عادل”. وفي هذه الأثناء، يستمر الحصار. بلا انقطاع. بلا محاسبة.
الآليات القانونية موجودة. إنفاذها غير موجود.
حتى فكرة أن غزة “ليست محتلة” هي خدعة قانونية تمكّن إسرائيل من التملّص من مسؤولياتها كقوة احتلال، بينما تُبقي على سيطرتها الكاملة. اللجنة الدولية للصليب الأحمر وعدد من كبار الفقهاء القانونيين يرفضون هذا التصنيف، مشيرين إلى استمرار سيطرة إسرائيل على حدود غزة، ومجالها الجوي، وسجل سكانها، وجماركها. القانون الدولي يُعرّف الاحتلال بـ”السيطرة الفعلية”، لا بمجرد الوجود الفيزيائي. وبهذا المقياس، تبقى إسرائيل هي القوة السيادية.
لكن ربما يكون الاتهام القانوني الأكثر إدانةً للحصار، ليس ما يفعله بغزة—بل ما يفعله بالنظام الدولي نفسه. تطبيع الاستثناء. تعويد العالم على السياسات الخارجة عن القانون بوصفها سوابق مقبولة.
لأنه إذا كان بالإمكان فرض حصار على سكان مدنيين لمدة ١٧ عاماً، وحساب سعراتهم الحرارية، وحرمان مرضى السرطان من التصاريح، وقصف مستشفياتهم دون عواقب—فما الذي يحميه القانون الدولي بالضبط؟
هذه ليست مجرد فجوة قانونية. إنها عدميّة قانونية.
وغزة، مرة أخرى، هي ساحة اختبارها.
٦. الدور المزدوج لمصر: البوّابة والحاكم الجيوسياسي
إذا كانت إسرائيل تتحكّم بمفاتيح السماء والبحر والطيف الكهرومغناطيسي لغزة، فإن مصر تسيطر على آخر شريانٍ حيّ: الحدود البرّية الجنوبية عند معبر رفح. وبينما تُقدَّم في الخطاب العام كـ”شريان الحياة العربي”، فإن معبر رفح ليس باب نجاة، بل صمام أمان مدجّج—يُفتح ويُغلق وفقاً لمصالح القاهرة، لا لاحتياجات غزة.
منذ عام ٢٠٠٧، سارت مصر في خطى إسرائيل بسياسة الحصار، فأغلقت معبر رفح في أوقات التصعيد أو التوتر السياسي، وفرضت رقابة مشددة على حركة الأفراد والبضائع والمساعدات. الذريعة الرسمية: الأمن. فحماس، في الرواية المصرية، ليست فقط “فصيلاً فلسطينياً”، بل امتداداً لجماعة الإخوان المسلمين التي صنّفتها القاهرة كمنظمة إرهابية. أما غزة، فتُصوَّر في الإعلام المصري كمصدر للفوضى، خزان ضغط يجب أن يُحاصر حتى لا ينفجر في سيناء.
لكن خلف هذه الرواية يكمن الحساب الجيوسياسي. مشاركة مصر في الحصار لا تتعلق بحماس وحدها—بل بتكتيكات النفوذ، والمقايضات، وصناعة السردية الإقليمية.
وفي عام ٢٠٢٥، هذه السردية تتغير.
في أبريل، أجرت مصر مناورات جوية مشتركة مع الصين تحت اسم “نسور الحضارة ٢٠٢٥”—في أول تعاون عسكري من نوعه بين البلدين. الرمزية كانت صاخبة. في وقت تتراجع فيه الهيمنة الأميركية في المنطقة في ظل ما يُعرف بـ”عقيدة ترامب”، وتُعيد دول الجنوب العالمي تشكيل تحالفاتها، بدا واضحاً أن القاهرة تتحوّل من تابع استراتيجي إلى وسيط سيادي—في الوصول، وفي الطاقة، وفي المعلومات.
وغزة؟ قطعة على رقعة الشطرنج.
بتعاونها مع إسرائيل في الحصار، تبعث مصر برسالة “استقرار” إلى داعميها في الغرب. ومن خلال إبقاء المعبر مغلقاً بشروطها، تحرم حماس من أي شرعية إقليمية. وبانفتاحها العسكري على الصين، تقول للعالم: لدينا بدائل الآن.
لكن هذا التوازن الدقيق له ثمن باهظ على الفلسطينيين.
رفح ليست معبراً عملياً—بل نقطة عبور انتقائية، تحكمها إجراءات أمنية غامضة، وفساد مالي، وضغوط سياسية، وقرارات تعسفية. مرضى، طلاب، ومزدوجو الجنسية يُحتجزون لأسابيع. خلال جائحة كورونا، توفّي العشرات وهم ينتظرون الخروج. وخلال فيضانات شتاء ٢٠٢٤، عطّلت مصر دخول معدات البناء والوقود لأكثر من شهر بينما تفاوضت مع مبعوثين أوروبيين على شروط المساعدات.
لا شيء من هذا “عارض”. دور مصر في الحصار ليس ملحقاً بدور إسرائيل—بل امتداداً له. لكنه أيضاً إعلانٌ عن استقلالية متزايدة. القاهرة تلعب على المدى البعيد، وتستخدم غزة ليس فقط كمنطقة عازلة، بل كورقة تفاوض.
المنظمات الحقوقية نادراً ما تنتقد سياسة مصر تجاه غزة—جزئياً لأسباب دبلوماسية، وجزئياً بسبب الاعتماد على التمويل. لكن الصمت هنا هو تواطؤ. مصر بنت جداراً على حدود غزة لا يقل ارتفاعاً أو تقنيّة عن جدار إسرائيل. غرقت الأنفاق بالبحر. وتحوّلت التغطية الإعلامية المصرية لغزة من “قضية قومية” إلى “منطقة موبوءة”.
وفي كثير من النواحي، تبدو السياسة المصرية أكثر خبثاً. فبينما لا تُخفي إسرائيل استراتيجيتها، تُؤدي مصر دور “التضامن” في العلن، وتُنفّذ الحصار في الخفاء. ترتدي عباءة الوحدة العربية—وتخنق بها.
النتيجة: مصيدة بلا مخارج. الفلسطينيون في غزة محاصرون بين محتلٍّ عسكري وسجّانٍ شقيق، بين الطائرات المُسيّرة والبوابات المُغلقة، بين استراتيجية أمنية وإعادة اصطفاف عربي.
غزة ليست معزولة فقط—بل يتيمة.
٧. الديناميكيات الداخلية: الحكم والمقاومة داخل غزة
لفهم غزة، لا بد من مواجهة واقع الأسر المزدوج. أحد السجون مبنيٌ من الحصار، الطائرات المسيّرة، واللامبالاة الدبلوماسية. أما الآخر، فهو داخلي: حكمٌ أيديولوجي بلا تجديد، وإدارةٌ تمارس المقاومة وقد تحجّرت في شكل سلطة. في مركز هذا التناقض تقف حماس—حاكمٌ ومُقاوم، دولة ولا دولة، رمزٌ ومُعطِّل.
منذ أن أطاحت بحركة فتح في غزة عام ٢٠٠٧، تحكم حماس القطاع بأسلوبٍ هجيني: بنية عسكرية، وآلية خدمات اجتماعية، ونظام سلطوي. شعبيتها الأولى نشأت من مزيج من التدين والتحدي وتقديم الخدمات. لكن ما يقارب عقدين من الحصار، والحروب، والعزلة السياسية أنهكت مشروعها. ما بقي هو السيطرة.
تحافظ حماس على الحكم من خلال مزيج من القمع، وشبكات المحسوبية، واحتكار السردية. المعارضة لا تُسمح. الصحفيون، والنشطاء، والشباب المنتقدون يتعرضون للاعتقال أو الترهيب. المجتمع المدني يعمل في ظل “تسامح مشروط”—ما دام لا يتجاوز الخطاب المقاوم. وحين يفعل، يُقمع.
وهناك الكثير مما يُنتقد.
الفساد مستشرٍ، والعائلات المقرّبة من قيادة حماس تستفيد من احتكارات التهريب والتوظيف التفضيلي. السلع الأساسية—حين تدخل—يتم توزيعها أو فرض ضرائب عليها عبر شبكات الولاء. البطالة تقترب من ٥٠٪. ولدى الشباب، النسبة أسوأ. لا توجد عملية انتخابية حقيقية. لا مجال للأحزاب المنافسة. فقط ركودٌ مُغلّف بالشعارات.
ومع ذلك، لا تزال حماس تحتفظ بقاعدة جماهيرية. لماذا؟
لأنه في غياب أفق سياسي حقيقي، لا يرى كثير من الغزيين بديلاً قابلاً للثقة. السلطة الفلسطينية، بقيادة محمود عباس المُسن والمفلس سياسياً، تُعتبر متواطئة وضعيفة، تتعاون أمنياً مع إسرائيل ولا تحقق حتى المكاسب الرمزية. العالم العربي، الذي كان يوماً ناطقاً باسم غزة، طبّع وابتعد. الأمم المتحدة تُحرّك الأوراق. العالم يُغرّد تعاطفاً. وحدها حماس، رغم كل شيء، ما زالت تُقدّم صورة المقاومة.
والمقاومة ما زالت مهمّة.
الفصائل المسلحة داخل حماس وبجانبها—كتائب القسام، الجهاد الإسلامي، وغيرها—تستمر بإطلاق الصواريخ على إسرائيل، غالباً لأغراض رمزية أكثر منها عسكرية. هذه الهجمات، رغم اعتراضها بغالبها عبر القبة الحديدية، تُعلن شيئاً واحداً: غزة لم تُخضع. غزة لا تصمت.
لكن هذه الومضات من المقاومة ليست بلا ثمن. تستدعي ردوداً إسرائيلية ضخمة، تُدمر البنية التحتية المدنية. وتغذّي السردية الإسرائيلية والغربية: غزة = إرهاب. لا فرق بين المقاتل والأم، بين النفق والفصل الدراسي.
وهذه هي مأساة حكم حماس: إنها تُقحم غزة في دوامة أداء سياسي. المقاومة ضرورية—لكنها أيضاً استعراض. الحُكم ممكن—لكن فقط ضمن منطق الحصار. حماس لا تستطيع كسب الحرب، ولا إنهاء الحصار، ولا التخلّي عن السلطة دون خطر الانقسام أو الانتقام. فتتمسّك. وتُدير. وتَحكُم—ليس فقط بالصواريخ، بل بالرضوخ.
بالنسبة للكثير من سكان غزة، تبدو الحكومة شيئاً ينتمي إليهم—ولا ينتمي. انتُخبت مرة. واستقرت إلى الأبد.
مليونا إنسان، معظمهم دون الخامسة والعشرين، لم يصوّتوا قط. لم يغادروا غزة قط. وكثيرون لم يعرفوا يوماً واحداً دون وجود حماس.
قد تكون إسرائيل هي من ترسم حدود غزة. لكن حماس تحدد حيزها الداخلي.
هذه ليست تحرّراً. إنها سياسة الإغلاق.
٨. الخنق الاقتصادي: انهيار مُخطَّط لاقتصاد غزة
اقتصاد غزة لا ينهار—لقد صُمِّم ليفشل. ليست هذه اختلالات. بل هندسة.
رسم بياني يُظهر القيود الخارجية على اقتصاد غزة من أربع جهات:
- إسرائيل: تتحكم بالحدود، الواردات، العملة.
- مصر: تتحكم في معبر رفح.
- المساعدات الدولية: (الأونروا، المنظمات غير الحكومية).
- السيطرة الداخلية: (ضرائب حماس).
لوحة إحصائية في الأسفل:
- ٤٦٪ معدل البطالة،
- ٦٠٪ بطالة بين الشباب،
- ٨٠٪ اعتماد على المساعدات،
- ١٥-٢٥٪ فقط من القدرة التشغيلية للمصانع.
تعليق: “ليس اقتصاداً. بل خوارزمية نجاة استخراجية.”
ما هو قائم اليوم في غزة لا يُشبه اقتصاداً فاعلاً، بل اقتصاد ظلّ، مُقيّد بالأنفاق، والتحويلات المالية، وغريزة البقاء. ورغم أن الحصار هو الآلية الأوضح لهذا الانهيار، فإن التخريب الأعمق يكمن في “الاعتماد المُتحكَّم به”: كل لتر وقود، كل كيس طحين، كل تصريح تصدير أو استيراد، خاضع لنظام بُنِي لا ليُطوّر—بل ليمنع.
قبل الحصار، كان اقتصاد غزة ضعيفاً لكنه متشابك. عشرات الآلاف من العمال الغزيين عملوا في إسرائيل. السلع تدفقت (وإن بشكل غير متوازن) عبر الموانئ الإسرائيلية. قطاعات الصيد والزراعة كانت شرايين حياة. كل ذلك انتهى. اليوم، البطالة تفوق ٤٦٪، وبطالة الشباب تتجاوز ٦٠٪. أكثر من ٨٠٪ من السكان يعتمدون على مساعدات إنسانية للبقاء—معظمها من الأونروا ومنظمات دولية. ولكن حتى هذا الاعتماد هشّ: فتور المانحين، والابتزاز السياسي، والأزمات العالمية المتزايدة تقلّص الدعم عاماً بعد عام.
القطاع الخاص؟ ميت تقريباً. المصانع دُمّرت. الأراضي الزراعية جُرِفت. البناء محظور ما لم يُفحص بعناية. معظم المواد الخام للإنتاج—الإسمنت، الصلب، الأسمدة—مُصنّفة كـ”ثنائية الاستخدام”، وتُمنع من الدخول. الصناعات المتبقية (الأثاث، الملابس، الزراعة) تعمل كأطياف ما كانت عليه، بنسبة تشغيل لا تتعدى ١٥–٢٥٪. عائلات بأكملها تعيش على التجارة السوداء عبر الأنفاق، التي تُدمَّر أو تُغرق دورياً من قبل مصر.
ومع ذلك—لا تزال غزة تُصدّر.
في عام ٢٠٢٥، تصدر غزة منتجات مثل الفراولة، الأعشاب، والأثاث—لكن بتنسيق إسرائيلي مشدد. كلمة “تصدير” مبالغة؛ فالبضائع تُباع ضمن حصص محددة لمستوردين إسرائيليين، غالباً بأسعار دون السوق، وباعتماد كلي على الجداول الحدودية غير المتوقعة. الاقتصاد ليس سيادياً. بل رهينة تصاريح: هذه الشحنة، في هذه الساعة، من هذا المعبر، بهذا الإذن.
لا توجد عملة وطنية. الاقتصاد يعمل بالشيكل الإسرائيلي، ما يخلق مفارقة الاحتلال المالي—اقتصادك مربوط بعملة مُحتلّك. التضخم في تل أبيب يتحوّل إلى ندرة في رفح. قرار من بنك إسرائيل ينعكس في أسواق غزة، دون أن يجلس أحد من غزة على طاولة القرار.
ثم هناك اقتصاد المعابر—كاريكاتير قاسٍ للتجارة. آلاف يصطفّون يومياً للحصول على تصاريح عمل في إسرائيل، غالباً في وظائف وضيعة وخطيرة. هذه التصاريح ليست حقوقاً. بل أدوات تحكم. أي اضطراب قد يؤدي إلى سحبها جماعياً. حادثة واحدة قد تغلق الصنبور، وتجفف السيولة، وتجوع العائلات لأشهر. بهذا المعنى، الاقتصاد ليس ضحية الحصار—بل امتداداً له.
البنك الدولي حذّر مراراً من أن اقتصاد غزة في “سقوط حر”. لكن هذا السقوط ليس حرّاً—بل مُدار. انهيار مُعدّل بعناية يبقي السكان فقراء، لكن دون مجاعة؛ غاضبين، لكن دون انتفاض؛ مكسورين، لكن أحياء. قادة إسرائيل وصفوا ذلك صراحة. قال مصدر عسكري لصحيفة هآرتس عام ٢٠٢٠: الهدف هو “إشغال حماس بالمجاري والرواتب”. أي: تحويل المقاومة إلى إدارة—دون السماح بالاستقرار.
هذه حرب اقتصادية بالبروقراطية. البنية التحتية تُبقي بالكاد على قيد الحياة، دون فرصة للتعافي. والمفارقة أن المساعدات الخارجية تُصبح جزءاً من الآلية: تُرمم ما يدمّره الحصار، لكنها أيضاً تُبقي القطاع واقفاً بالكاد، بما يكفي لتأجيل الانهيار الدبلوماسي.
النتيجة: منظومة اقتصادية تعمل كقدر ضغط. تحاصر العمالة، تخنق الإنتاج، وتعيد توجيه الطاقة للداخل. ريادة الأعمال تصبح بقاء. الابتكار يصبح تهريباً. كل شيء يتحوّل إلى حلّ مؤقت.
غزة لا تملك اقتصاداً. بل خوارزمية للبقاء مُصمَّمة للاستهلاك.
وكما كل شيء في غزة—تم تصميمها لتفشل… ببطءٍ كافٍ ليُنسى أمرها.
٩. الاستجابة الدولية: عالم يراقب ويصمت
العالم يعلم. كان يعلم طوال الوقت. انهيار غزة ليس سراً—بل بثاً مباشراً.
رسم دائري يُظهر الجهات الدولية المحيطة بغزة:
- الولايات المتحدة: (٣.٨ مليار دولار مساعدات عسكرية، حق النقض في مجلس الأمن)،
- الاتحاد الأوروبي: (إدانة علنية + تجارة سلاح)،
- العالم العربي: (تطبيع عبر اتفاقيات إبراهام)،
- الأمم المتحدة/المحكمة الجنائية الدولية: (تقارير بلا تنفيذ)،
- المنظمات غير الحكومية: (“مساعدات دون ضغط سياسي”)،
- مصر: (“بوّابة وجيوسياسة”).
التعليق: “المجتمع الدولي ليس عاجزاً. بل متواطئ.”
التقارير تتراكم كأنقاض: من الأمم المتحدة، الصليب الأحمر، هيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية. صور أطفال في وحدات عناية مركزة مؤقتة مضاءة بهواتف. رسوم بيانية عن متوسط السعرات الحرارية. مذكرات قانونية في لاهاي. وكلما تسقط القنابل، تبدأ الدورة من جديد: إدانة، قرار، فيتو، صمت.
المجتمع الدولي لا يعاني من الشلل. بل من القبول.
لنبدأ بالولايات المتحدة—الداعم العسكري والدبلوماسي والاقتصادي الأول لإسرائيل. أكثر من ٣.٨ مليار دولار سنوياً كمساعدات عسكرية، معظمها غير مشروط. الإدارات الأميركية المتعاقبة أعربت عن “القلق” بشأن غزة، لكن لم تُربط المساعدات يوماً بتغيير ملموس. محاولات الكونغرس لفرض شروط—غالباً رمزية—تُسحق بفعل ضغط اللوبيات أو الجمود الحزبي. وفي مجلس الأمن، تحوّل الفيتو الأميركي إلى ختم مطاطي لإبطال كل قرار عن غزة.
أما الاتحاد الأوروبي، فيلعب دور الشرطي والمستشار معاً. يدين الحصار علناً، بينما يُبرم صفقات سلاح، وبحوث مراقبة مشتركة، وتنسيق تجاري مع شركات إسرائيلية—بعضها يخدم محيط غزة مباشرة. بروكسل تُموّل الأونروا لتطعم الأطفال نهاراً، ثم تُمرّر تقنيات المراقبة لمُضطهديهم ليلاً.
كندا، أستراليا، اليابان—كلها تعقد مؤتمرات صحفية، تدعو إلى “التهدئة”، ثم توقع بهدوء اتفاقيات دفاع وتبادل معلومات مع تل أبيب. النفاق ليس استثناءً. بل منظومة.
أما العالم العربي، الذي كان صوت غزة الأعلى، فقد طبّع، ليبرل، وأدار ظهره. حوّلت اتفاقيات إبراهام القضية الفلسطينية من قضية مركزية إلى إزعاج دبلوماسي. السعودية، رغم عدم توقيعها رسمياً، تستضيف مراكز تفكير ترسم “خطة مارشال” لغزة بعد الحرب—خيال إعادة إعمار مشروط بالصمت الفلسطيني.
و”المجمّع الصناعي الإنساني”؟ يُصدر تقارير، ينظم حملات توعية، ويبني مشاريع مياه تُدمّر كل ثلاث سنوات. إنسانية بلا سياسة. مساعدات بلا ضغط. الشهادة كأداء.
حتى المحكمة الجنائية الدولية، التي بدأت تحقيقاً رسمياً في جرائم محتملة عام ٢٠٢١، تسير بسرعة طابعة معطلة في الأمم المتحدة. إسرائيل ترفض الولاية. الولايات المتحدة تعارض التحقيق. وإن صدرت مذكرات توقيف يوماً، فإن تنفيذها يتطلب إرادة سياسية غير موجودة.
هذا ليس تقصيراً في الرقابة. بل تنسيقاً.
دمار غزة البطيء أصبح مقبولاً لأنه لا يتطلب احتلالاً مباشراً. لا يشبه البوسنة. لا يُحاكي رواندا. إنه تدريجي، تكنوقراطي، قريب من القانون دون أن يلمسه. لا مناجل—فقط قوائم تصاريح. لا معسكرات—بل مناطق مقيدة. لا مجاعة—بل فقر مزمن.
هذا حصار بالتخطيط. وتواطؤ بالأداء.
وما يجعله أخطر هو ما يُبشّر به: إذا كانت غزة قادرة على أن تُحاصَر، وتُقصف، وتُراقَب، وتُمحى بلا محاسبة، فإن كل نظام استبدادي تلقّى إشارة خضراء. الحصار قابل للتصدير. الإفلات من العقاب يتحوّل إلى سابقة. غزة ليست فقط مأساة إنسانية. إنها نموذج لنظام القمع التالي.
لأنه إن كان هناك شيءٌ واحد تتفق عليه القوى العظمى في عام ٢٠٢٥، فهو:
يجب ألا تموت غزة—لكن لا يجب أن تُمنح حياة.
١٠. الطريق إلى الأمام
لا توجد هنا فقرة ختامية للمصالحة. لا اقتراح لحوارات سلام تُبرم في فنادق الخليج. لا حُلُم بحلّ الدولتين يُلصق على واقعٍ تُسيطر فيه جهةٌ واحدة على بصمات أطفال الجهة الأخرى.
رسم دائري يُظهر ست آليات مترابطة تُبقي غزة في العزل:
- السيطرة المادية،
- المراقبة الرقمية،
- التحكم الاقتصادي،
- الشرعنة الدولية،
- الإطار القانوني،
- العزل السياسي.
النتيجتان المبرَزتان:
- “السيطرة دون مسؤولية”،
- “نموذج قابل للتصدير للاحتواء.”
التعليق: “غزة ليست سجناً فقط. إنها نموذج أولي.”
لا يوجد سوى هذه الحقيقة: غزة اختبار. للسيادة. للقانون. للمقاومة. لإرادة العالم.
والاختبار يفشل—لأن العالم يفشل.
الحديث عن “السلام” دون رفع الحصار نكتة سيئة تُروى في منتديات النخبة. الحديث عن “التهدئة” بينما تُسيطر منظومة على الغذاء والحركة والدواء مجرد مسرحية. الحديث عن “الأمن” دون محاسبة هو تفويض للفظائع التي زعم العالم يوماً أنه لن يسمح بها مجدداً.
فما هو السبيل؟
فلنجرّده إلى أساسياته:
- لا مستقبل لغزة ما دام الحصار قائماً.
- لا استقرار ممكناً ما دامت المساعدات تحلّ محل السيادة.
- لا عدالة ما دام القانون الدولي اقتراحاً لا آلية تنفيذ.
الحصار يجب أن ينتهي—not تخفيفاً، لا تعديلاً، لا “إعادة معايرة”—بل تفكيكاً كاملاً.
المعابر يجب أن تُفتح—بشكل دائم.
حق الحركة، التجارة، والحياة خارج جدران الحصار يجب أن يُستعاد.
المؤسسات الدولية يجب أن تطبّق القوانين التي تزعم تمثيلها.
إذا لم يكن لاتفاقيات جنيف معنى في غزة، فلن يكون لها معنى في أي مكان قريباً.
ويجب استعادة الرواية—من أولئك الذين حوّلوا غزة إلى نقطة نقاش، إلى نكتة جيوسياسية، إلى دراسة حالة “لكيف لا يجب أن تُدار الأمور” بينما يُمارسونها بكل تفاصيلها.
هذا لا يعني تبرئة حماس أو تجاهل القمع الداخلي.
فالتحرير دون تجديد ديمقراطي ليس سوى قفصٍ آخر.
لكن علينا رفض الخطاب الذي يجعل من معاناة الفلسطينيين مشروطة بـ”السلوك الحسن”. لا يُطلب من أي شعب محتل أو محاصر أن يُكمّل ذاته قبل أن يُمنح حقه في الكرامة.
غزة يجب أن يُعاد تخيّلها—not كـ”مشكلة تُدار”، بل كشعب يجب استعادته.
ولمن يراقب من الخارج—الدبلوماسيين، الصحفيين، الأكاديميين، والمنظمات:
افهموا هذه الحقيقة:
غزة ليست حدثاً شاذاً. إنها مرآة.
ما يُسمَح بحدوثه هنا سيُقرِّر ما يمكن أن يحدث في كل مكان آخر.
لأنه إذا قَبِل العالم هذا—
أن يصبح الحصار أمناً، والمراقبة نظاماً، والتجويع استقراراً، والقانون ديكوراً—
فإن غزة ليست فقط محتلة. بل المستقبل بأسره هو من أصبح كذلك.
غزة هي اختبار عرض النطاق الأخلاقي للعالم.
وحالياً؟ نحن عالقون في التحميل…
This is a translation for Prime Rogue Arabic. You can view the original version of Gaza 2025: Siege, Surveillance, and Shifting Sands on the Prime Rogue Inc website.